حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب شُرْبِ اللَّبَنِ

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُفِعْتُ إِلَي السِّدْرَة ، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ : نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ ، وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ ؛ فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ : فالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ ، وَأَمَّا الْبَاطِنَانِ : فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ . فَأُتِيتُ بِثَلَاثَةِ أَقْدَاحٍ : قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ ، وَقَدَحٌ فِيهِ عَسَلٌ ، وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ ، فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ ، فَشَرِبْتُ ، فَقِيلَ لِي : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ . وقَالَ هِشَامٌ وَسَعِيدٌ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَنْهَارِ نَحْوَهُ .

وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَلَاثَةَ أَقْدَاحٍ . الْحَدِيثُ السَّابِعُ : حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْأَقْدَاحِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي غَرَائِبِ شُعْبَةَ ، لِابْنِ مَنْدَهْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ شُعْبَةَ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْهُ .

قَوْلُهُ : ( رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَالسِّدْرَةُ مَرْفُوعَةٌ . وَلِلْمُسْتَمْلِي دُفِعْتُ بِدَالٍ بَدَلَ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ بِنِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ ، وَإِلَى بِالسُّكُونِ حَرْفُ جَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ هِشَامٌ ) يَعْنِي الدَّسْتُوَائِيَّ ، وَهَمَّامٌ يَعْنِي ابْنَ يَحْيَى ، وَسَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ ، يَعْنِي أَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ فَزَادُوا هُمْ فِي الْإِسْنَادِ بَعْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ شُعْبَةُ .

وَقَوْلُهُ : فِي الْأَنْهَارِ نَحْوَهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ تَوَافَقُوا مِنَ الْمَتْنِ عَلَى ذِكْرِ الْأَنْهَارِ ، وَزَادُوا هُمْ قِصَّةَ الْإِسْرَاءِ بِطُولِهَا ، وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ هَذِهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِمْ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرٍ ، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهَا آذَانُ الْفِيَلَةِ ، فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ ، وَاقْتَصَرَ شُعْبَةُ عَلَى فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَلَاثَةَ أَقْدَاحٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ بِالْإِفْرَادِ ، وَظَاهِرُ هَذَا النَّفْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذِكْرُ الْأَقْدَاحِ فِي رِوَايَةِ الثَّلَاثَةِ ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ بِمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ هُدْبَةَ ، عَنْ هَمَّامٍ بِلَفْظِ : ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ فيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ نَفْيَ ذِكْرِ الْأَقْدَاحِ بِخُصُوصِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ الَّتِي بِالْإِفْرَادِ هِيَ الْمَحْفُوظَةُ ، وَالْفَاعِلُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٍ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِطُولِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْآنِيَةِ أَصْلًا ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ هِشَامٍ ، وَفِيهِ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالْآخَرُ لَبَنٌ ، فَعُرِضَا عَلَيَّ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوُهُ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَقَدْ سَاقَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ هِشَامٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْآنِيَةِ أَصْلًا ، فَوَضَحَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ هَمَّامٍ فِيهَا ذِكْرُ ثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الْعَدَدِ وَلَا وَصْفِ الظَّرْفِ ، وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ فِيهَا ذِكْرُ إِنَاءَيْنِ فَقَطْ ، وَرِوَايَةُ هِشَامٍ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا ، وَقَدْ رَجَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ رِوَايَةَ إِنَاءَيْنِ فَقَالَ عَقِبَ حَدِيثَ شُعْبَةَ هُنَا : هَذَا حَدِيثُ شُعْبَةَ ، وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْبَابِ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ هَذَا ، وَأَوْلَى مِنْ هَذَا . كَذَا قَالَ ، مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ هَمَّامٍ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ هُدْبَةَ عَنْهُ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ سَوَاءً ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ ، وَقَدْ تُوبِعَ ، وَذِكْرُ إِنَاءَيْنِ لَا يَنْفِي الثَّالِثَ ، مَعَ أَنَّنِي قَدَّمْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ عَرْضَ الْآنِيَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَعَ مَرَّتَيْنِ : قَبْلَ الْمِعْرَاجِ وَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَبَعْدَهُ وَهُوَ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً .

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَذْكُرِ السِّرَّ فِي عُدُولِهِ عَنِ الْعَسَلِ إِلَى اللَّبَنِ كَمَا ذَكَرَ السِّرَّ فِي عُدُولِهِ عَنِ الْخَمْرِ ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ كَوْنُ اللَّبَنِ أَنْفَعَ ، وَبِهِ يَشْتَدُّ الْعَظْمُ وَيَنْبُتُ اللَّحْمُ ، وَهُوَ بِمُجَرَّدِهِ قُوتٌ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي السَّرَفِ بِوَجْهٍ ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الزُّهْدِ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَعِ بِوَجْهٍ . وَالْعَسَلُ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا ، لَكِنَّهُ مِنَ الْمُسْتَلَذَّاتِ الَّتِي قَدْ يُخْشَى عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يَنْدَرِجَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِيهِ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَطِشَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مُبَيَّنًا هُنَاكَ - فَأُتِيَ بِالْأَقْدَاحِ ، فَآثَرَ اللَّبَنَ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حُصُولِ حَاجَتِهِ دُونَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ ، فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي إِيثَارِ اللَّبَنِ ، وَصَادَفَ مَعَ ذَلِكَ رُجْحَانَهُ عَلَيْهِمَا مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ .

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَى وَالْعَسَلَ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّهُ مُقْتَصِدًا فِي تَنَاوُلِهِ لَا فِي جَعْلِهِ دَيْدَنًا وَلَا تَنَطُّعًا . وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ جِبْرِيلَ فِي الْخَمْرِ : غَوَتْ أُمَّتُكَ أَنَّ الْخَمْرَ يَنْشَأُ عَنْهَا الْغَيُّ ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ . وَيُؤْخَذُ مِنْ عَرْضِ الْآنِيَةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِرَادَةُ إِظْهَارِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ ، وَإِشَارَةٌ إِلَى تَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَيْهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث