حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ

بَاب اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ 5611 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ . قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا نَزَلَتْ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَخٍ ! ذَلِكَ مَالٌ رَايحٌ - أَوْ رَابحٌ - شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ .

وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى : رَايِحٌ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ طَلَبِ الْمَاءِ الْعَذْبِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُلْوُ . ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي صَدَقَةِ أَبِي طَلْحَةَ لِقَوْلِهِ فِيهِ : وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ وَقَدْ وَرَدَ فِي خُصُوصِ هَذَا اللَّفْظِ - وَهُوَ اسْتِعْذَابُ الْمَاءِ - حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا وَالسُّقْيَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ، وَبِالْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ قَالَ قُتَيْبَةُ : هِيَ عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَفِي قِصَّةِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْأَلُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ بَعْدُ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَى امْرَأَةِ أَبِي رَافِعٍ : كَانَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ نَزَلَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بِئْرِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَالِدِ أَنَسٍ ثُمَّ كَانَ أَنَسٌ وَهِنْدٌ وَحَارِثَةُ أَبْنَاءُ أَسْمَاءَ يَحْمِلُونَ الْمَاءَ إِلَى بُيُوتِ نِسَائِهِ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا ، وَكَانَ رَبَاحٌ الْأَسْوَدُ عَبْدُهُ يَسْتَقِي لَهُ مِنْ بِئْرِ عُرُسٍ مَرَّةً وَمِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا مَرَّةً . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اسْتِعْذَابُ الْمَاءِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَلَا يَدْخُلُ فِي التَّرَفُّهِ الْمَذْمُومِ ، بِخِلَافِ تَطْيِيبِ الْمَاءِ بِالْمِسْكِ وَنَحْوِهِ ، فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ ، وَأَمَّا شُرْبُ الْمَاءِ الْحُلْوِ وَطَلَبِهِ فَمُبَاحٌ ، فَقَدْ فَعَلَهُ الصَّالِحُونَ .

وَلَيْسَ فِي شُرْبِ الْمَاءِ الْمِلْحِ فَضِيلَةٌ ، قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اسْتِطَابَةَ الْأَطْعِمَةِ جَائِزَةٌ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ نَزَلَ فِي الَّذِينَ أَرَادُوا الِامْتِنَاعَ مِنْ لَذَائِذِ الْمَطَاعِمِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُرِيدُ اللَّهُ تَنَاوُلَهُ مَا امْتَنَّ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ ، بَلْ نَهْيُهُ عَنْ تَحْرِيمِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُمْ تَنَاوَلَهَا لِيُقَابِلُوا نِعْمَتَهُ بِهَا عَلَيْهِمْ بِالشُّكْرِ لَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُهُ لَا يُكَافِئُهَا شُكْرُهُمْ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَمَّا أَنَّ اسْتِعْذَابَ الْمَاءِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالْوَرَعَ فَوَاضِحٌ ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ فَبَعِيدٌ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ شُرْبِ الْمَاءِ مِنَ الْبُسْتَانِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ .

قُلْتُ : الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِمَا اقْتَضَاهُ الْعُرْفُ مِنَ الْمُسَامَحَةِ بِذَلِكَ ، وَثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ نَظَرٌ . وقَوْلُهُ : ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ أَوْ رَابِحٌ الْأَوَّلُ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَةٍ وَالْحَاءُ مُهْمَلَةٌ فِيهِمَا ، فَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَجْرَهُ يَرُوحُ إِلَى صَاحِبِهِ أَيْ يَصِلُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ ، وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ كَثِيرُ الرِّبْحِ ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ صِفَةُ صَاحِبِهِ الْمُتَصَدِّقِ بِهِ . وَقَوْلُهُ : شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَقَوْلُهُ : قَالَ إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ يَحْيَى ، وَرَايِحٌ فِي رِوَايَتِهِمَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ مُصَرِّحًا فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ ، وَرِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كَذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث