حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب ما رخص للمريض أن يقول إِنِّي وَجِعٌ أَوْ وَا رَأْسَاهْ أَوْ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ

بَاب ما رخص للمريض أن يقول : إِنِّي وَجِعٌ ، أَوْ وَا رَأْسَاهْ ، أَوْ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ وَقَوْلِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَام : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 5665 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَأَيُّوبَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ الْقِدْرِ ، فَقَالَ : أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ ، ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْفِدَاءِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا رُخِّصَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقُولَ إِنِّي وَجِعٌ أَوْ وَارَأْسَاهُ أَوِ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ ، وَقَوْلُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَمَّا قَوْلُهُ إِنِّي وَجِعٌ فَتَرْجَمَ بِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أَسْمَاءَ - يَعْنِي بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ أُمُّهُمَا - وَأَسْمَاءُ وَجِعَةٌ ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ : كَيْفَ تَجِدِينَكِ ؟ قَالَتْ : وَجِعْتُ الْحَدِيثَ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ ؟ فَاسْتَوَى جَالِسًا ، فَقُلْتُ : أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا ؟ قَالَ : أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَارَأْسَاهُ فَصَرِيحٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ ، فَهُوَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ الَّذِي فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاعْتَرَضَ ابْنُ التِّينِ ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ ، فَقَالَ : هَذَا لَا يُنَاسِبُ التَّبْوِيبَ ، لِأَنَّ أَيُّوبَ إِنَّمَا قَالَهُ دَاعِيًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِلْمَخْلُوقِينَ . قُلْتُ : لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُطْلَقَ الشَّكْوَى لَا يُمْنَعُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِكَشْفِ الْبَلَاءِ يَقْدَحُ فِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ مَمْنُوعًا ، بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ ، لِمَا ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الْمَعْصُومِ ، وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَثْبَتَ لَهُ اسْمَ الصَّبْرِ مَعَ ذَلِكَ ، وَقَدْ رُوِّينَا فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ فِي فَوَائِدِ مَيْمُونَةَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ : أَنَّ أَيُّوبَ لَمَّا طَالَ بَلَاؤُهُ رَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، غَيْرَ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَيُّوبَ - يَعْنِي فَجَزِعَ مِنْ قَوْلِهِ - وَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ مَا بِهِ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ نُمَيْرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ نَحْوُهُ ، وَقَالَ فِيهِ : فَجَزِعَ مِنْ قَوْلِهِمَا جَزَعًا شَدِيدًا ، ثُمَّ قَالَ : بِعِزَّتِكَ لَا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي ، وَسَجَدَ ، فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى كَشَفَ عَنْهُ .

فَكَأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ مِنْ شَكْوَى الْمَرِيضِ مَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ ، أَوْ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ التَّسَخُّطِ لِلْقَدْرِ وَالتَّضَجُّرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَلَمَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَفْعِهِ ، وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى وِجْدَانِ ذَلِكَ فَلَا يُسْتَطَاعُ تَغْيِيرُهَا عَمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْعَبْدُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ مَا لَهُ سَبِيلٌ إِلَى تَرْكِهِ كَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّأَوُّهِ وَالْجَزَعِ الزَّائِدِ كَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَعَانِي أَهْلِ الصَّبْرِ ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ التَّشَكِّي فَلَيْسَ مَذْمُومًا حَتَّى يَحْصُلَ التَّسَخُّطُ لِلْمَقْدُورِ ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ شَكْوَى الْعَبْدِ رَبَّهُ ، وَشَكْوَاهُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُهُ النَّاسِ عَلَى سَبِيلِ التَّضَجُّرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . رَوَى أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنِينُ الْمَرِيضِ شَكْوَى ، وَجَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ أَنِينَ الْمَرِيضِ وَتَأَوُّهَهُ مَكْرُوهٌ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ذَلِكَ .

ثُمَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ ، ثُمَّ قَالَ : فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْكَرَاهَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالذِّكْرِ أَوْلَى ا هـ . وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْمَعْنَى مِنْ كَوْنِ كَثْرَةِ الشَّكْوَى تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْيَقِينِ ، وَتُشْعِرُ بِالتَّسَخُّطِ لِلْقَضَاءِ ، وَتُورِثُ شَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ . وَأَمَّا إِخْبَارُ الْمَرِيضِ صَدِيقَهُ أَوْ طَبِيبَهُ عَنْ حَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي حَلْقِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ إِذَا آذَاهُ الْقَمْلُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَقَوْلُهُ : أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ ، هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ لِنِسْبَةِ الْأَذَى لِلْهَوَامِّ ، وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ اسْمٌ لِلْحَشَرَاتِ ؛ لِأَنَّهَا تَهُمُّ أَنْ تَدُبَّ ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الرَّأْسِ اخْتَصَّتْ بِالْقَمْلِ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث