حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب ما رخص للمريض أن يقول إِنِّي وَجِعٌ أَوْ وَا رَأْسَاهْ أَوْ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَا رَأْسَاهْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ ، فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَا ثُكْلِيَاهْ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي ، وَلَوْ كَانَ ذَلكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ ، لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ : أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ ، فأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ، ثُمَّ قُلْتُ : يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ . أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ . الثَّانِي حَدِيثُ عَائِشَةَ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّا ) ، هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ فِي الزَّكَاةِ وَالْوَكَالَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْأَحْلَامِ ، وَأَكْثَرَ عَنْهُ مُسْلِمٌ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَأنَّ أَحْمَدَ كَانَ يَتَمَنَّى لَوْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ إِلَى نَيْسَابُورَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ .

قَوْلُهُ : ( وَا رَأْسَاهُ ) هُوَ تَفَجُّعٌ عَلَى الرَّأْسِ لِشِدَّةِ مَا وَقَعَ بِهِ مِنَ أَلْمِ الصُّدَاعِ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ : رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي وَأَنَا أَقُولُ : وَا رَأْسَاهُ . قَوْلُهُ : ( ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ ) ذَاكِ بِكَسْرِ الْكَافِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ الْمَرَضُ مِنَ الْمَوْتِ ، أَيْ : لَوْ مُتَّ وَأَنَا حَيٌّ ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ جَوَابُ عَائِشَةَ ، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَلَفْظُهُ : ثُمَّ قَالَ : مَا ضَرَّكَ لَوْ مُتَ قَبْلِي فَكَفَّنْتُكَ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكَ وَدَفَنْتُكَ ، وَقَوْلُهَا : وَاثُكْلَيَاهُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِكَسْرِهَا مَعَ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ هَاءٌ لِلنُّدْبَةِ ، وَأَصْلُ الثَّكَلِ فَقْدُ الْوَلَدِ أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَى الْفَاقِدِ ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَهُ هُنَا مُرَادَةً ، بَلْ هُوَ كَلَامٌ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عِنْدَ حُصُولِ الْمُصِيبَةِ أَوْ تَوَقُّعِهَا . وَقَوْلُهَا : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي كَأَنَّهَا أَخَذَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لَهَا : لَوْ مُتِّ قَبْلِي ، وَقَوْلُهَا : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : ذَاكَ بِغَيْرِ لَامٍ أَيْ مَوْتُهَا لَظَلَلْتُ آخِرَ يَوْمِكِ مُعَرِّسًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَالتَّخْفِيفِ ، يُقَالُ : أَعْرَسَ وَعَرَّسَ إِذَا بَنَى عَلَى زَوْجَتِهِ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ جِمَاعٍ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، فَإِنَّ التَّعْرِيسَ النُّزُولُ بِلَيْلٍ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ : لَكَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتُ بِبَعْضِ نِسَائِكِ . قَالَتْ : فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُا : بَلِ أَنَا وَا رَأْسَاهُ ، هِيَ كَلِمَةُ إِضْرَابٍ ، وَالْمَعْنَى : دَعِي ذِكْرَ مَا تَجِدِينَهُ مِنْ وَجَعِ رَأْسِكِ وَاشْتَغِلِي بِي ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ : ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ : أَوْ وَدِدْتُ ، بَدَلَ : أَرَدْتُ .

قَوْلُهُ : ( أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ وَأَلِفِ الْوَصْلِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَوِ ابْنِهِ بِلَفْظِ أَوِ الَّتِي لِلشَّكِّ ، وأَوْ لِلتَّخْيِيرِ ، وَفِي أُخْرَى : أَوِ آتِيهِ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ تَصْوِيبَهَا وَخَطَأَهُ . وَقَالَ : وَيُوَضِّحُ الصَّوَابَ قَوْلُهُا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَجِيئَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ كَانَ مُتَعَسِّرًا ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ مَعَ قُرْبِ مَكَانِهَا مِنْ بَيْتِهِ . قُلْتُ : فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدِ اسْتَمَرَّ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ مَرِيضٌ وَيَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ .

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَدْ هَمَمْتُ إِلَخْ ، وَقَعَ بَعْدَ الْمُفَاوَضَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ بِمُدَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِخِلَافِهِ . وَيُؤَيِّدُ أَيْضًا مَا فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ مَقَامُ اسْتِمَالَةِ قَلْبِ عَائِشَةَ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ يُفَوَّضُ لِأَبِيكِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِحُضُورِ أَخِيكِ ، هَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَهْدِ الْعَهْدَ بِالْخِلَافَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِحْضَارَ بَعْضِ مَحَارِمِهَا حَتَّى لَوِ احْتَاجَ إِلَى قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوِ الْإِرْسَالَ إِلَى أَحَدٍ لَوَجَدَ مَنْ يُبَادِرُ لِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَأَعْهَدُ ) ، أَيْ : أُوصِي .

قَوْلُهُ : ( أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ ) أَيْ لِئَلَّا يَقُولَ ، أَوْ كَرَاهَةُ أَنْ يَقُولَ . قَوْلُهُ : ( أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ) بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ مُتَمَنِّي بِكَسْرِهَا ، وَأَصْلُ الْمُتَمَنِّيُونَ فَاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ فَاجْتَمَعَتْ كَسْرَةُ النُّونِ بَعْدَهَا الْوَاوُ فَضُمَّتِ النُّونُ ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْغَيْرَةِ ، وَفِيهِ مُدَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَالْإِفْضَاءُ إِلَيْهِمْ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ ، وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ الْوَجَعِ لَيْسَ بِشِكَايَةٍ ، فَكَمْ مِنْ سَاكِتٍ وَهُوَ سَاخِطٌ ، وَكَمْ مِنْ شَاكٍّ وَهُوَ رَاضٍ ، فَالْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ عَلَى عَمَلِ الْقَلْبِ لَا عَلَى نُطْقِ اللِّسَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث