حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ

بَاب تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ 5671 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ ) أَيْ هَلْ يُمْنَعُ مُطْلَقًا أَوْ يَجُوزُ فِي حَالَةٍ ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَهْيُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ . وَذَكَرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ أَنَسٍ قَوْلُهُ : ( لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ ) الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ ، وَالْمُرَادُ هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا ، وَقَوْلُهُ : مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ ، حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى الضُّرِّ الدُّنْيَوِيِّ ، فَإِنْ وَجَدَ الضر الْأُخْرَوِيَّ بِأَنْ خَشِيَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنَّ فِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبَبِيَّةٌ ، أَيْ بِسَبَبِ أَمْرٍ مِنَ الدُّنْيَا ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ : فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي ، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي ، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبَسٍ وَيُقَالُ : عَابِسٌ الْغِفَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ : يَا طَاعُونُ خُذْنِي .

فَقَالَ لَهُ عُلَيْمٌ الْكِنْدِيُّ : لِمَ تَقُولُ هَذَا ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ : بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا ، إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ ، الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَهُ وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا عَمَّرَ الْمُسْلِمُ كَانَ خَيْرًا لَهُ . الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ الْجَوَابُ نَحْوَهُ ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الْقَوْلِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَفِيهِ : وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمِ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ .

قَوْلُهُ : ( فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ : فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَقُلِ.. . إِلَخْ ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ ، لِأَنَّ فِي التَّمَنِّي الْمُطْلَقِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةٍ لِلْقَدْرِ الْمَحْتُومِ ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا نَوْعُ تَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ ، وَقَوْلُهُ : فَإِنْ كَانَ إِلَخْ ، فِيهِ مَا يَصْرِفُ الْأَمْرَ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنَ الْوُجُوبِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْإِذْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ .

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ . الْحَدِيثَ ، أَيِ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى اللُّقَيْمَاتِ فَلِيَقْتَصِرْ عَلَى الثُّلُثِ ، فَهُوَ إِذْنٌ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الثُّلُثِ ، لَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا الِاسْتِحْبَابَ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ ) عَبَّرَ فِي الْحَيَاةِ بِقَوْلِهِ : مَا كَانَتْ ؛ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ ، فَحَسَنٌ أَنْ يَأْتِيَ بِالصِّيغَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاتِّصَافِ بِالْحَيَاةِ ، وَلَمَّا كَانَتِ الْوَفَاةُ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ حَسُنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ يشمل مَا إِذَا كَانَ الضُّرُّ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا ، وَسَيَأْتِي فِي التَّمَنِّي مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ : لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُهُ ، فَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مِنَ التَّمَنِّي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث