حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ

حَدَّثَنَا آدَمُ ، قال : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ : دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ - وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ - فَقَالَ : إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا ، وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ ، وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ ، إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ خَبَّابٍ قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ) لِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ ) فِي رِوَايَةِ حَارِثَةَ : وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ ، فَقَالَ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَقِيتُ ، أَيْ : مِنَ الْوَجَعِ الَّذِي أَصَابَهُ ، وَحَكَى شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْبَلَاءِ مَا فُتِحَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَجِدُ دِرْهَمًا ، كَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ حَارِثَةَ الْمَذْكُورَةِ عَنْهُ ، قَالَ : لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أَجِدُ دِرْهَمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي نَاحِيَةِ بَيْتِي أَرْبَعُونَ أَلْفًا ، يَعْنِي الْآنَ ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَكْثَرَ مَالًا مِنْهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا لَقِيَ مِنَ التَّعْذِيبِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اتِّسَاعَ الدُّنْيَا عَلَيْهِ يَكُونُ ثَوَابَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ لَوْ بَقِيَ لَهُ أَجْرُهُ مُوَفَّرًا فِي الْآخِرَةِ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا فَعَلَ مِنَ الْكَيِّ مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ : نُهِينَا عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا ، أَخْرَجَهُ قَالَ : وَهَذَا بَعِيدٌ .

وَكَذَلِكَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الْكَيِّ قَرِيبًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا ) زَادَ فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ شَيْئًا أَيْ : لَمْ تَنْقُصْ أُجُورُهُمْ ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَجَّلُوهَا فِي الدُّنْيَا ، بَلْ بَقِيَتْ مُوَفَّرَةً لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَكَأَنَّهُ عَنَى بِأَصْحَابِهِ بَعْضَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا مَنْ عَاشَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُمُ اتَّسَعَتْ لَهُمُ الْفُتُوحُ . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ : هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا ، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِزِ وَفِي الْمَغَازِي أَيْضًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنَى جَمِيعَ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ ، وَأَنَّ مَنِ اتَّسَعَتْ لَهُ الدُّنْيَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ إِمَّا لِكَثْرَةِ إِخْرَاجِهِمُ الْمَالَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ ، وَكَانَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذْ ذَاكَ كَثِيرًا ، فَكَانَتْ تَقَعُ لَهُمُ الْمَوْقِعُ ، ثُمَّ لَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ جِدًّا وَشَمَلَ الْعَدْلَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ اسْتَغْنَى النَّاسُ بِحَيْثُ صَارَ الْغَنِيُّ لَا يَجِدُ مُحْتَاجًا يَضَعُ بِرَّهُ فِيهِ ، وَلِهَذَا قَالَ خَبَّابٌ : وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ أَيِ الْإِنْفَاقَ فِي الْبُنْيَانِ .

وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : أَرَادَ خَبَّابٌ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمَوْتَ ، أَيْ : لَا يَجِدُ لِلْمَالِ الَّذِي أَصَابَهُ إِلَّا وَضَعَهُ فِي الْقَبْرِ ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ ، وَرَدَّهُ فَأَصَابَ ، وَقَالَ : بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا أَصَابُوا مِنَ الْمَالِ . قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَدَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا التُّرَابَ ، وَكَانَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ ، وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ نَحْوَهُ بِاخْتِصَارٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَوَّلُهُ : دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ) الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ أَخَصُّ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَكُلُّ دُعَاءٍ تَمَنّي مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ ، فَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ ) ، هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ تَكْرَارُ الْمَجِيءِ ، وَهُوَ أَحْفَظُ الْجَمِيعِ ، فَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِصَّةَ بِنَاءِ الْحَائِطِ كَانَتْ سَبَبَ قَوْلِهِ أَيْضًا : وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْمُسْلِمَ لِيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ ) أَيِ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْبُنْيَانِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( تَنْبِيهٌ ) هَكَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ جَمِيعًا عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَهُوَ يُعَالِجُ حَائِطًا لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا مَا يَجْعَلُهُ فِي التُّرَابِ ، وَعُمَرُ كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث