حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ . قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَابْنُ أَزْهَرَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَوْفٍ ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ; هَكَذَا اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَالَ : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ : رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ثِقَةٌ ، يَعْنِي وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا .

قَوْلُهُ : ( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ) ، الْحَدِيثَ . يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُفْرَدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا لَا قَصْدًا ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلَا يَتَمَنَّى.. . إِلَخْ ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ .

قَوْلُهُ : ( وَلَا يَتَمَنَّى ) ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَهُوَ لَفْظُ نَفْيٍ بِمَعْنَى النَّهْيِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَا يَتَمَنَّ ، عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْآتِيَةِ بِلَفْظِ : لَا يَتَمَنَّى ، لِلْأَكْثَرِ ، وَبِلَفْظِ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّأْكِيدِ ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ : وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ، وَهُوَ قَيْدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا حَلَّ بِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَمَنِّيهِ رِضًا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَلَا مِنْ طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ لِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَقَّبَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي ، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْحَالَةِ الَّتِي قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ ، فَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا كَانَ أَكْثَرُ اسْتِحْضَارِهِ وَإِيثَارِهِ لِلْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى شَحْذًا لِلْأَذْهَانِ . وَقَدْ خَفِيَ صَنِيعُهُ هَذَا عَلَى مَنْ جَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ مُعَارِضًا لِأَحَادِيثِ الْبَابِ أَوْ نَاسِخًا لَهَا ، وَقَوِيَ ذَلِكَ بِقَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ قَالَ ابْنُ التِّينِ : قِيلَ : إِنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ يُوسُفَ ، فَذَكَرَهُ ، وَبِقَوْلِ سُلَيْمَانَ : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ ، وَبِدُعَاءِ عُمَرَ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ .

قَالَ : وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا سَأَلُوا مَا قَارَبَ الْمَوْتَ . قُلْتُ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُرَادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ قَتَادَةُ : لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ أَحَدٌ إِلَّا يُوسُفُ حِينَ تَكَامَلَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ ، وَجُمِعَ لَهُ الشَّمْلُ اشْتَاقَ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلْ مُرَادُهُ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِي ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، وَكَذَلِكَ مُرَادُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .

وَعَلَى تَقْدِيرِ الْحَمْلِ عل قَالَ قَتَادَةُ : فَهُوَ لَيْسَ مِنْ شَرْعِنَا ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا النَّهْيُ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ نُزُولَ الْمَوْتِ لَا يَتَحَقَّقُ ، فَكَمْ مَنِ انْتَهَى إِلَى غَايَةٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِمَوْتِ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهَا ثُمَّ عَاشَ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ حَالُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَالَ مَنْ يَتَمَنَّى نُزُولَهُ بِهِ وَيَرْضَاهُ أَنْ لَوْ وَقَعَ بِهِ ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ إِلَى مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَيَرْضَى بِهِ وَلَا يَقْلَقُ ، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقِ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ . قَوْلُهُ : ( إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ ) أَيْ يَرْجِعُ عَنْ مُوجِبِ الْعَتْبِ عَلَيْهِ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنُ عُمْرَهُ إِلَّا خَيْرًا ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَالدُّعَاءِ بِهِ هُوَ انْقِطَاعُ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ يَتَسَبَّبُ مِنْهَا الْعَمَلُ ، وَالْعَمَلُ يُحَصِّلُ زِيَادَةَ الثَّوَابِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ إِلَّا اسْتِمْرَارُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ . وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِارْتِدَادُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - عَنِ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ ، وَالْإِيمَانُ بَعْدَ أَنْ تُخَالِطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ - وَقَدْ وَقَعَ لَكِنْ نَادِرًا - فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ خَاتِمَةُ السُّوءِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا طَالَ عُمْرُهُ أَوْ قَصُرَ ، فَتَعْجِيلُهُ بِطَلَبِ الْمَوْتِ لَا خَيْرَ لَهُ فِيهِ . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِسَعْدٍ : يَا سَعْدُ إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ مِنْ عُمْرِكَ أَوْ حَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ : وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنُ عُمْرَهُ إِلَّا خَيْرًا ، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ قَدْ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ فَيَزِيدُهُ عُمُرُهُ شَرًّا ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا حَمْلُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَامِلِ وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِصَدَدِ أَنْ يَعْمَلَ مَا يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ إِمَّا مِنَ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَإِمَّا مِنْ فِعْلِ حَسَنَاتٍ أُخَرَ قَدْ تُقَاوِمُ بِتَضْعِيفِهَا سَيِّئَاتُهُ ، وَمَا دَامَ الْإِيمَانُ بَاقٍ فَالْحَسَنَاتُ بِصَدَدِ التَّضْعِيفِ ، وَالسَّيِّئَاتُ بِصَدَدِ التَّكْفِيرِ .

وَالثَّالِثُ يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مِنَ التَّرَجِّي حَيْثُ جَاءَ بِقَوْلِهِ : لَعَلَّهُ ، وَالتَّرَجِّي مُشْعِرٌ بِالْوُقُوعِ غَالِبًا لَا جَزْمًا ، فَخَرَجَ الْخَبَرُ مَخْرَجَ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِاللَّهِ ، وَأَنَّ الْمُحْسِنَ يَرْجُو مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ ، وَأَنَّ الْمُسِيءَ لَا يَنْبَغِي لَهُ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا قَطْعُ رَجَائِهِ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَرَ الْعُمُرِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا لِلْمُؤْمِنِ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ : وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ، وَهُوَ لَا يُنَافِي حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَزِيدُهُ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا ، إِذَا حُمِلَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْأَغْلَبِ وَمُقَابِلُهُ عَلَى النَّادِرِ ، وَسَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ التَّمَنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث