بَاب الْجُذَامِ
بَاب الْجُذَامِ 5707 - وَقَالَ عَفَّانُ : حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ . وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْجُذَامِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ ، هُوَ عِلَّةٌ رَدِيئَةٌ تَحْدُثُ مِنَ انْتِشَارِ الْمِرَّةِ السَّوْدَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ ، فَتُفْسِدُ مِزَاجَ الْأَعْضَاءِ ، وَرُبَّمَا أَفْسَدَ فِي آخِرِهِ إِيصَالَهَا حَتَّى يَتَأَكَّلَ .
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَجَذُّمِ الْأَصَابِعِ وَتَقَطُّعِهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَفَّانُ ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ الصَّفَّارُ ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنِ أَكْثَرُ مَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ ، وَهُوَ مِنَ الْمُعَلَّقَاتِ الَّتِي لَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَقَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْهُ بِلَا رِوَايَةٍ ، وَعَلَى طَرِيقَة ابْنِ الصَّلَاحِ يَكُونُ مَوْصُولًا . وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، وَأَبِي قُتَيْبَةَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عن سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ شَيْخِ عَفَّانَ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ سَلِيمٍ لَكِنْ مَوْقُوفًا ، وَلَمْ يَسْتَخْرِجُهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ .
وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا . وَسَلِيمٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ ، وَحَيَّانُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ . قَوْلُهُ : ( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ ) ، كَذَا جَمْعُ الْأَرْبَعَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَيَأْتِي مِثْلُهُ سَوَاءً بَعْدَ عِدَّةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ لَا هَامَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مِثْلُهُ .
لَكِنْ بِدُونِ قَوْلِهِ : وَلَا طِيَرَةَ وَأَعَادَهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ ، وَبَعْدَ عِدَّةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ لَا طِيَرَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَا طِيَرَةَ ، حَسْبٌ ، وَفِي بَابِ لَا عَدْوَى مِنْ طَرِيقِ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَا عَدْوَى ، حَسْبٌ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا طِيَرَةَ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَزَادَ : وَلَا نَوْءَ ، وَيَأْتِي فِي بَابِ لَا عَدْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَلِمُسْلِمٍ ، وَابْنِ حَبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا بِلَفْظِ : لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ ، وَلَا غُولَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَادَ فِيهِ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِاخْتِصَارٍ . فَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ : الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ وَالْهَامَةُ وَالصَّفَرُ وَالْغُولُ وَالنَّوْءُ ، وَالْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ قَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا تَرْجَمَةً ، فَنَذْكُرُ شَرْحَهَا فِيهِ ، وَأَمَّا الْغُولُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الْغِيلَانَ فِي الْفَلَوَاتِ ، وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ وَتَتَغَوَّلُ لَهُمْ تَغَوُّلًا ، أَيْ : تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا فَتَضِلُّهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ فَتُهْلِكُهُمْ ، وَقَدْ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ : غَالَتْهُ الْغُولُ ، أَيْ : أَهْلَكَتْهُ أَوِ أَضَلَّتْهُ ، فَأَبْطَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ .
وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَادُ إِبْطَالُ وُجُودِ الْغِيلَانِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُهُ مِنْ تَلَوُّنِ الْغُولِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ ، قَالُوا : وَالْمَعْنَى لَا يَسْتَطِيعُ الْغُولُ أَنْ يُضِلَّ أَحَدًا . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ : إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ ، أَيِ : ادْفَعُوا شَرَّهَا بِذَكَرِ اللَّهِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ قَوْلِهِ : كَانَتْ لِي سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ ، فَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ ، الْحَدِيثَ ، وَأَمَّا النَّوْءُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ، فَأَبْطَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطَرَ إِنَّمَا يَقَعُ بِإِذْنِ اللَّهِ لَا بِفِعْلِ الْكَوَاكِبِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَادَةُ جَرَتْ بِوُقُوعِ الْمَطَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، لَكِنْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَقْدِيرِهِ ، لَا صُنْعَ لِلْكَوَاكِبِ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ ( وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ . وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوَكُّلِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَلَفْظُهُ : لَا عَدْوَى ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْمَجْذُومَ فَفِرَّ مِنْهُ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ ، فَارْجِعْ . قَالَ عِيَاضٌ : اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي الْمَجْذُومِ ، فَجَاءَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مَعَ مَجْذُومٍ وَقَالَ : ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَذَهَبَ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى الْأَكْلِ مَعَهُ ، وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ بِاجْتِنَابِهِ مَنْسُوخٌ .
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، قَالَ : وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَنْ لَا نَسْخَ ، بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ وَالْفِرَارُ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ ، وَالْأَكْلُ مَعَهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ ، ا هـ . هَكَذَا اقْتَصَرَ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى حِكَايَةِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَحَكَى غَيْرُهُ قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ التَّرْجِيحُ ، وَقَدْ سَلَكَهُ فَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا سَلَكَ تَرْجِيحَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْيِ الْعَدْوَى وَتَزْيِيفِ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ مِثْلِ حَدِيثِ الْبَابِ فَأَعَلُّوهُ بِالشُّذُوذِ ، وَبِأَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْهَا : أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا عَنْهُ ، فَقَالَتْ : مَا قَالَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : لَا عَدْوَى ، وَقَالَ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ قَالَتْ : وَكَانَ لِي مَوْلًى بِهِ هَذَا الدَّاءُ ، فَكَانَ يَأْكُلُ فِي صِحَافِي وَيَشْرَبُ فِي أَقْدَاحِي وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِي ، وَبِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَرَدَّدَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَيُؤْخَذُ الْحُكْمُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ، وَبِأَنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي نَفْيِ الْعَدْوَى كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي ذَلِكَ ، وَمِثْلُ حَدِيثِ : لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، وَمِثْلُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ : كَلِّمِ الْمَجْذُومَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَيْدُ رُمْحَيْنِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ بِسَنَدٍ وَاهٍ ، وَمِثْلُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِمُعَيْقِيبٍ : اجْلِسْ مِنِّي قَيْدَ رُمْحٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ نَحْوَهُ ، وَهُمَا أَثَرَانِ مُنْقَطِعَانِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّرِيدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْجُذَامِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ لَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِلَّا مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ ، وَهُوَ مُمْكِنٌ ، فَهُوَ أَوْلَى . الْفَرِيقُ الثَّانِي سَلَكُوا فِي التَّرْجِيحِ عَكْسَ هَذَا الْمَسْلَكِ ، فَرَدُّوا حَدِيثَ لَا عَدْوَى بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْهُ إِمَّا لِشَكِّهِ فِيهِ ، وَإِمَّا لِثُبُوتِ عَكْسِهِ عِنْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي بَابِ لَا عَدْوَى ، قَالُوا : وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى الِاجْتِنَابِ أَكْثَرُ مَخَارِجَ وَأَكْثَرُ طُرُقًا فَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا أَوْلَى ، قَالُوا : وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَهَا فِي الْقَصْعَةِ وَقَالَ : كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ ، فَفِيهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَبَيَّنَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى رَاوِيهِ وَرَجَّحَ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مَعَهُ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ ، قَالَهُ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَيْضًا فَحَدِيثُ لَا عَدْوَى ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ ، فَلَا مَعْنًى لِدَعْوَى كَوْنِهِ مَعْلُولًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي طَرِيقِ الْجَمْعِ مَسَالِكُ أُخْرَى . أَحَدُهَا : نَفْيُ الْعَدْوَى جُمْلَةً وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ عَلَى رِعَايَةِ خَاطِرِ الْمَجْذُومِ ، لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحِيحَ الْبَدَنِ السَّلِيمَ مِنَ الْآفَةِ تَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ وَتَزْدَادُ حَسْرَتُهُ ، وَنَحْوُهُ حَدِيثُ لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، ثَانِيهَا : حَمْلُ الْخِطَابِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، فَحَيْثُ جَاءَ : لَا عَدْوَى كَانَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مَنْ قَوِيَ يَقِينُهُ وَصَحَّ تَوَكُّلُهُ بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ اعْتِقَادَ الْعَدْوَى ، كَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ التَّطَيُّرَ الَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ ، لَكِنَّ الْقَوِيَّ الْيَقِينِ لَا يَتَأَثَّرُ بِهِ ، وَهَذَا مِثْلُ مَا تَدْفَعُ قُوَّةُ الطَّبِيعَةِ الْعِلَّةَ فَتُبْطِلُهَا ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَكْلِ الْمَجْذُومِ مِنَ الْقَصْعَةِ وَسَائِرِ مَا وَرَدَ مِنْ جِنْسِهِ ، وَحَيْثُ جَاءَ : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ ، كَانَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مَنْ ضَعُفَ يَقِينُهُ ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَمَامِ التَّوَكُّلِ فَلَا يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى دَفْعِ اعْتِقَادِ الْعَدْوَى ، فَأُرِيدَ بِذَلِكَ سَدُّ بَابِ اعْتِقَادِ الْعَدْوَى عَنْهُ بِأَنْ لَا يُبَاشِرَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِثْبَاتِهَا .
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا كَرَاهِيَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَيَّ مَعَ إِذْنِهِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَقَدْ فَعَلَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ لِيَتَأَسَّى بِهِ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ . ثَالِثُ الْمَسَالِكِ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ : إِثْبَاتُ الْعَدْوَى فِي الْجُذَامِ وَنَحْوِهِ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ نَفْيِ الْعَدْوَى ، قَالَ : فَيَكُونُ مَعَنِي قَوْلِهِ : لَا عَدْوَى ، أي : إِلَّا مِنَ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجَرَبِ مَثَلًا ، قَالَ : فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا إِلَّا مَا تَقَدَّمَ تَبْيِينِي لَهُ أَنَّ فِيهِ الْعَدْوَى . وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ .
رَابِعُهَا : أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعَدْوَى فِي شَيْءٍ ، بَلْ هُوَ لِأَمْرٍ طَبِيعِيٍّ وَهُوَ انْتِقَالُ الدَّاءِ مِنْ جَسَدٍ لِجَسَدٍ بِوَاسِطَةِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَشَمِّ الرَّائِحَةِ ، وَلِذَلِكَ يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ فِي الْعَادَةِ انْتِقَالُ الدَّاءِ مِنَ الْمَرِيضِ إِلَى الصَّحِيحِ بِكَثْرَةِ الْمُخَالَطَةِ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ قُتَيْبَةَ ، فَقَالَ : الْمَجْذُومُ تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُحَادَثَتَهُ وَمُضَاجَعَتَهُ ، وَكَذَا يَقَعُ كَثِيرًا بِالْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَعَكْسِهِ ، وَيَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَأْمُرُ الْأَطِبَّاءَ بِتَرْكِ مُخَالَطَةِ الْمَجْذُومِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْعَدْوَى بَلْ عَلَى طَرِيقِ التَّأَثُّرِ بِالرَّائِحَةِ ؛ لِأَنَّهَا تُسْقِمُ مَنْ وَاظَبَ اشْتِمَامَهَا ، قَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ الرَّطْبَ قَدْ يَكُونُ بِالْبَعِيرِ ، فَإِذَا خَالَطَ الْإِبِلَ أَوْ حَكَّكَهَا وَأَوَى إِلَى مَبَارِكِهَا وَصَلَ إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ ، وَكَذَا بِالنَّظَرِ نَحْوُ مَا بِهِ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا عَدْوَى فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْمَرَضُ بِمَكَانٍ كَالطَّاعُونِ فَيَفِرُّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ ، لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنَ الْفِرَارِ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ . الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ : أَنَّ الْمُرَادَ ينَفْيِ الْعَدْوَى أَنَّ شَيْئًا لَا يُعْدِي بِطَبْعِهِ نَفْيًا لِمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْأَمْرَاضَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى اللَّهِ ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِقَادَهُمْ ذَلِكَ وَأَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُمْرِضُ وَيَشْفِي ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّنُوِّ مِنْهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا ، فَفِي نَهْيُهُ إِثْبَاتَ الْأَسْبَابِ ، وَفِي فِعْلِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا لَا تَسْتَقِلُّ ، بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ سَلَبَهَا قُوَاهَا فَلَا تُؤَثِّرُ شَيْئًا ، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا فَأَثَّرَتْ ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْمَجْذُومِ أَنَّهُ كَانَ بِهِ أَمْرٌ يَسِيرٌ لَا يُعْدِي مِثْلَهُ فِي الْعَادَةِ ، إِذْ لَيْسَ الْجَذْمَى كُلُّهُمْ سَوَاءً ، وَلَا تَحْصُلُ الْعَدْوَى مِنْ جَمِيعِهِمْ بَلْ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ عَدْوَى أَصْلًا كَالَّذِي أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَوَقَفَ فَلَمْ يَعُدْ بَقِيَّةُ جِسْمِهِ فَلَا يُعْدِي .
وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ جَرَى أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنِ أَوْرَدَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ مَا نَصُّهُ : الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ وَالتَّجَارِبِ أَنَّهُ يُعْدِي الزَّوْجَ كَثِيرًا ، وَهُوَ دَاءٌ مَانِعٌ لِلْجِمَاعِ ، لَا تَكَادُ نَفْسُ أَحَدٍ تَطِيبُ بِمُجَامَعَةِ مَنْ هُوَ بِهِ ، وَلَا نَفْسُ امْرَأَةٍ أَنْ يُجَامِعَهَا مَنْ هُوَ بِهِ ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَبَيَّنَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ وَلَدِهِ أَجْذَمُ أَوِ أَبْرَصُ أَنَّهُ قَلَّمَا يَسْلَمُ ، وَإِنْ سَلِمَ أَدْرَكَ نَسْلَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَأَمَّا مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا عَدْوَى فَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ بِمَشِيئَتِهِ مُخَالَطَةَ الصَّحِيحِ مَنْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ سَبَبًا لِحُدُوثِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ .
وَقَالَ : : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . وَقَالَ فِي الطَّاعُونِ : مَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يُقْدِمْ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى . وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُ وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ قَبْلَهُ .
الْمَسْلَكُ السَّادِسُ : الْعَمَلُ بِنَفْيِ الْعَدْوَى أَصْلًا وَرَأْسًا ، وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِالْمُجَانَبَةِ عَلَى حَسْمِ الْمَادَّةِ وَسَدِّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَحْدُثَ لِلْمُخَالِطِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَظُنُّ أَنَّهُ بِسَبَبِ الْمُخَالَطَةِ فَيُثْبِتُ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا الشَّارِعُ ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ، إِثْبَاتُ الْعَدْوَى ، بَلْ لِأَنَّ الصِّحَاحَ لَوْ مَرِضَتْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ - تَعَالَى - رُبَّمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ صَاحِبِهَا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى فَيُفْتَتَنُ وَيَتَشَكَّكُ فِي ذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهِ . قَالَ : وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاجْتِنَابِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَخَافَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ ، قَالَ : وَهَذَا شَرُّ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ، لِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا الشَّارِعُ ، وَلَكِنَّ وَجْهَ الْحَدِيثِ عِنْدِي مَا ذَكَرْتُهُ . وَأَطْنَبَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا فِي كِتَابِ التَّوَكُّلِ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ : لَا عَدْوَى عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَحَدِيثُ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَرْجَمَ لِلْأَوَّلِ : التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ فِي نَفْيِ الْعَدْوَى ، وَلِلثَّانِي ذِكْرُ خَبَرٍ غَلِطَ فِي مَعْنَاهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَأَثْبَتَ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَرْجَمَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى بِهَذَا الْقَوْلِ فَسَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا عَدْوَى ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : فَمَا بَالُ الْإِبِلِ يُخَالِطُهَا الْأَجْرَبُ فَتَجْرَبُ ؟ قَالَ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ثُمَّ ذَكَرَ طُرُقَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، ثُمَّ تَرْجَمَ : ذِكْرُ خَبَرٍ رُوِيَ فِي الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ قَدْ يَخْطُرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
وَسَاقَ حَدِيثَ : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ فِي أَمْرِ الْمَجْذُومِ بِالرُّجُوعِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا أَمَرَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا نَهَاهُمُ إِنْ يُورِدَ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ، وَخَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَ بَعْضَ مَنْ يُخَالِطُهُ الْمَجْذُومُ الْجُذَامُ ، وَالصَّحِيحَ مِنَ الْمَاشِيَةِ الْجَرِبُ فَيَسْبِقُ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى فَيُثْبِتُ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُمْ بِتَجَنُّبِ ذَلِكَ شَفَقَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً لِيَسْلَمُوا مِنَ التَّصْدِيقِ بِإِثْبَاتِ الْعَدْوَى ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا . قَالَ : وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَكْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْمَجْذُومِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ ، وَسَاقَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ إِدَامَةِ النَّظَرِ إِلَى الْمَجْذُومِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ؛ لِأَنَّ الْمَجْذُومَ يَغْتَمُّ وَيَكْرَهُ إِدْمَانَ الصَّحِيحِ نَظَرَهُ إِلَيْهِ ، لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَكُونُ بِهِ دَاءٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ ا هـ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِكَرَاهِيَةٍ ، وَمَا أَدْرِي مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ شَيْءٌ .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الصَّوَابُ عِنْدَنَا الْقَوْلُ بِمَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ ، وَأَنْ لَا عَدْوَى ، وَأَنَّهُ لَا يُصِيبُ نَفْسًا إِلَّا مَا كُتِبَ عَلَيْهَا . وَأَمَّا دُنُوُّ عَلِيلٍ مِنْ صَحِيحٍ فَغَيْرُ مُوجِبٍ انْتِقَالَ الْعِلَّةِ لِلصَّحِيحِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِذِي صِحَّةٍ الدُّنُوُّ مِنْ صَاحِبِ الْعَاهَةِ الَّتِي يَكْرَهُهَا النَّاسُ ، لَا لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، بَلْ لِخَشْيَةِ أَنْ يَظُنَّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِهِ ذَلِكَ الدَّاءُ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ دُنُوِّهُ مِنَ الْعَلِيلِ فَيَقَعُ فِيمَا أَبْطَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْعَدْوَى . قَالَ : وَلَيْسَ فِي أَمْرِهِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ مُعَارَضَةٌ لِأَكْلِهِ مَعَهُ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْشَادِ أَحْيَانًا وَعَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ أُخْرَى ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الْأَوَامِرِ عَلَى الْإِلْزَامِ ، وإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ مَا نَهَى عَنْهُ أَحْيَانَا لِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَرَامًا .
وَقَدْ سَلَكَ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ مَسْلَكَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ فَأَوْرَدَ حَدِيثَ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ، ثُمَّ قَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصِحَّ قَدْ يُصِيبُهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ فَيَقُولُ الَّذِي أَوْرَدَهُ لَوْ أَنِّي مَا أَوْرَدْتُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ شَيْءٌ ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُورِدْهُ لَأَصَابَهُ لِكَوْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - قَدَّرَهُ ، فَنَهَى عَنْ إِيرَادِهِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ غَالِبًا مِنْ وُقُوعِهَا فِي قَلْبِ الْمَرْءِ ، ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ فَأَطْنَبَ ، وَجَمَعَ بَيْنَهَا بِنَحْوِ مَا جَمَعَ بِهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ . وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ إِيرَادِ الْمُمْرِضِ عَلَى الْمُصِحِّ مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ اعْتِقَادِ الْعَدْوَى ، أَوْ مَخَافَةَ تَشْوِيشِ النُّفُوسِ وَتَأْثِيرِ الْأَوْهَامِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ ، وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُذَامَ لَا يُعْدِي ، لَكِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا نُفْرَةً وَكَرَاهِيَةً لِمُخَالَطَتِهِ ، حَتَّى لَوْ أَكْرَهَ إِنْسَانٌ نَفْسَهُ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ وَعَلَى مُجَالَسَتِهِ لَتَأَذَّتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ ، فَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ إِلَى مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مُجَاهَدَةٍ ، فَيَجْتَنِبُ طُرُقَ الْأَوْهَامِ ، وَيُبَاعِدُ أَسْبَابَ الْآلَامِ ، مَعَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يُنَجِّي حَذَرٌ مِنْ قَدْرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْأَمْرُ بِالْفِرَارِ مِنَ الْأَسَدِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ ، بَلْ لِلشَّفَقَةِ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْهَى أُمَّتَهُ عَنْ كُلِّ مَا فِيهِ ضَرَرٌ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ خَيْرٌ .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّ الرَّوَائِحَ تُحْدِثُ فِي الْأَبْدَانِ خَلَلًا فَكَانَ هَذَا وَجْهَ الْأَمْرِ بِالْمُجَانَبَةِ ، وَقَدْ أَكَلَ هُوَ مَعَ الْمَجْذُومِ ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِمُجَانَبَتِهِ عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا فَعَلَهُ . قَالَ : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِهِ ، وَقَوْلِهِ بِأَنَّ الْقَوْلَ هُوَ الْمَشْرُوعُ مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ الْمُخَاطَبِينَ ، وَفِعْلُهُ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ ، فَمَنْ فَعَلَ الْأَوَّلَ أَصَابَ السُّنَّةَ ، وَهِيَ أَثَرُ الْحِكْمَةِ ، وَمَنْ فَعَلَ الثَّانِي كَانَ أَقْوَى يَقِينًا ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا إِلَّا بِمُقْتَضَى إِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَقْدِيرُهُ ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - : وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَمَنْ كَانَ قَوِيَّ الْيَقِينِ فَلَهُ أَنْ يُتَابِعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فِعْلِهُ وَلَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ ، وَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ ضَعْفًا فَلْيَتْبَعْ أَمْرَهُ فِي الْفِرَارِ لِئَلَّا يَدْخُلَ بِفِعْلِهِ فِي إِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي يُتَوَقَّعُ مِنْهَا الضَّرَرُ ، وَقَدْ أَبَاحَتِ الْحِكْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ الْحَذَرَ مِنْهَا فَلَا يَنْبَغِي لِلضُّعَفَاءِ أَنْ يَقْرَبُوهَا ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الصِّدْقِ وَالْيَقِينِ فَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ .
قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النَّاسِ هُوَ الضَّعْفُ ، فَجَاءَ الْأَمْرُ بِالْفِرَارِ بِحَسَبِ ذَلِكَ . وَاسْتُدِلَّ بِالْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ لِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِلزَّوْجَيْنِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا وَجَدَهُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . وَأَجَابَ فِيهِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْفَسْخِ بِأَنَّهُ لَوْ أُخِذَ بِعُمُومِهِ لَثَبَتَ الْفَسْخُ إِذَا حَدَثَ الْجُذَامُ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ ، بَلْ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا .
وَاخْتُلِفَ فِي أَمَةِ الْأَجْذَمِ : هَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ اسْتِمْتَاعِهِ إِذَا أَرَادَهَا ؟ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَجْذُومِينَ إِذَا كَثُرُوا هَلْ يُمْنَعُونَ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَجَامِعِ ؟ وَهَلْ يُتَّخَذُ لَهُمْ مَسكَانٌ مُنْفَرِدٌ عَنِ الْأَصِحَّاءِ ؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي النَّادِرِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَلَا فِي شُهُودِ الْجُمُعَةِ .