title: 'حديث: 24 - بَاب دَوَاءِ الْمَبْطُونِ 5716 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّا… | فتح الباري شرح صحيح البخاري' canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-34/h/353321' url: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-34/h/353321' content_type: 'hadith' hadith_id: 353321 book_id: 34 book_slug: 'b-34'

حديث: 24 - بَاب دَوَاءِ الْمَبْطُونِ 5716 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّا… | فتح الباري شرح صحيح البخاري

نص الحديث

24 - بَاب دَوَاءِ الْمَبْطُونِ 5716 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ فَقَالَ : إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، فَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ . تَابَعَهُ النَّضْرُ عَنْ شُعْبَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ دَوَاءِ الْمَبْطُونِ ) الْمُرَادُ بِالْمَبْطُونِ مَنِ اشْتَكَى بَطْنَهُ لِإِفْرَاطِ الْإِسْهَالِ ، وَأَسْبَابُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ . قَوْلُهُ : ( قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ) كَذَا لِشُعْبَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ . وَخَالَفَهُمَا شَيْبَانُ فَقَالَ : عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُرَجِّحْ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ طَرِيقِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَيْهَا ، شُعْبَةَ ، وَسَعِيدٍ أَوَّلًا ، ثُمَّ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ثَانِيًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ شُعْبَةَ : عَنْ قَتَادَةَ ، سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أَخِي ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . قَوْلُهُ : ( اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ ، أَيْ : كَثُرَ خُرُوجُ مَا فِيهِ ، يُرِيدُ الْإِسْهَالَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فِي رَابِعِ بَابٍ مِنْ كِتَابِ الطِّبِّ : هَذَا ابْنُ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ : قَدْ عَرِبَ بَطْنُهُ ، وَهِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ، ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : فَسَدَ هَضْمُهُ لِاعْتِلَالِ الْمَعِدَةِ ، وَمِثْلُهُ ذَرِبَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْعَيْنِ وَزْنًا وَمَعْنًى . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ) وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ شُعْبَةَ : اسْقِهِ الْعَسَلَ ، وَاللَّامُ عَهْدِيَّةٌ ، وَالْمُرَادُ عَسَلُ النَّحْلِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ ، وَظَاهِرُهُ الْأَمْرُ بِسَقْيِهِ صِرْفَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَمْزُوجًا . قَوْلُهُ : ( فَسَقَاهُ فَقَالَ : إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ) كَذَا فِيهِ ، وَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : فَسَقَاهُ فَلَمْ يَبْرَأْ ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي سَقَيْتُهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَسَقَاهُ ثُمَّ جَاءَ ، فَقَالَ : إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزْدَدِ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ ، لَكِنْ قَرَنَهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، وَقَالَ : إِنَّ اللَّفْظَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى . نَعَمْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ وَحْدَهُ بِلَفْظِ : ثُمَّ جَاءَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ ) ، كَذَا اخْتَصَرَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ . فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، فَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، فَقَالَ : سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، فَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ شُعْبَةَ : فَذَهَبَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ ، كَذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَفِيهِ : فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ : اسْقِهِ عَسَلًا . وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِيهِنَّ مَا قَالَ فِي الْأُولَى . وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِلَفْظِ : ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ) . زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ : فَسَقَاهُ فَبَرَأَ . وَكَذَا لِلتِّرْمِذِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ : فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ اسْقِهِ عَسَلًا ، قَالَ : فَأَظُنُّهُ قَالَ : فَسَقَاهُ فَبَرَأَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّابِعَةِ : صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ . كَذَا وَقَعَ لِيَزِيدَ بِالشَّكِّ ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ : فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ . وَالَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَرْجَحُ ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الثَّالِثَةِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ عَسَلًا فَسَقَاهُ فِي الرَّابِعَةِ فَبَرَأَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ : ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ النَّضْرُ ) ، يَعْنِي : ابْنَ شُمَيْلٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّر ( عَنْ شُعْبَةَ ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ النَّضْرِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَتَابَعَهُ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ . قُلْتُ : رِوَايَةُ يَحْيَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي الْكُبْرَى وَرِوَايَةُ خَالِدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ أَبِي يَعْلَى ، وَرِوَايَةُ يَزِيدَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَتَابَعَهُمْ أَيْضًا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَرِوَايَتُهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : أَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَطَأِ ، يُقَالُ : كَذَبَ سَمْعُكَ ، أَيْ : زَلَّ فَلَمْ يُدْرِكْ حَقِيقَةَ مَا قِيلَ لَهُ ، فَمَعْنَى : كَذَبَ بَطْنُهُ ، أَيْ : لَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ الشِّفَاءِ ، بَلْ زَلَّ عَنْهُ ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ ، فَقَالَ : الْعَسَلُ مُسَهِّلٌ ، فَكَيْفَ يُوصَفُ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الْإِسْهَالُ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالْعَادَةِ ، وَالزَّمَانِ وَالْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ ، وَالتَّدْبِيرِ وَقُوَّةِ الطَّبِيعَةِ ، وَعَلَى أَنَّ الْإِسْهَالَ يَحْدُثُ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنْهَا الْهَيْضَةُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ تُخَمَةٍ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِلَاجَهَا بِتَرْكِ الطَّبِيعَةِ وَفِعْلِهَا ، فَإِنَّ احتَاجَتِ إِلَى مُسَهِّلٍ مُعَيَّنٍ أُعِينَتْ مَا دَامَ بِالْعَلِيلِ قُوَّةٌ ، فَكَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ اسْتِطْلَاقُ بَطْنِهِ عَنْ تُخَمَةٍ أَصَابَتْهُ فَوَصَفَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَسَلَ لِدَفْعِ الْفُضُولِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي نَوَاحِي الْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ لِمَا فِي الْعَسَلِ مِنَ الْجَلَاءِ وَدَفْعِ الْفُضُولِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَعِدَةَ مِنْ أَخْلَاطٍ لَزِجَةٍ تَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْغِذَاءِ فِيهَا ، وَلِلْمَعِدَةِ خَمْلٌ كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ ، فَإِذَا عَلِقَتْ بِهَا الْأَخْلَاطُ اللَّزِجَةُ أَفْسَدَتْهَا وَأَفْسَدَتِ الْغِذَاءَ الْوَاصِلَ إِلَيْهَا ، فَكَانَ دَوَاؤُهَا بِاسْتِعْمَالِ مَا يَجْلُو تِلْكَ الْأَخْلَاطَ ، وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْعَسَلِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ مُزِجَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفِدْهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّ الدَّوَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ وَكَمِّيَّةٌ بِحَسَبِ الدَّاءِ ، إِنْ قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَإِنْ جَاوَزَهُ أَوْهَى الْقُوَّةَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا آخَرَ ، فَكَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْهُ أَوَّلًا مِقْدَارًا لَا يَفِي بِمُقَاوَمَةِ الدَّاءِ ، فَأَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ سَقْيِهِ ، فَلَمَّا تَكَرَّرَتِ الشَّرَبَاتُ بِحَسَبِ مَادَّةِ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ نَافِعٌ ، وَأَنَّ بَقَاءَ الدَّاءِ لَيْسَ لِقُصُورِ الدَّوَاءِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْمَادَّةِ الْفَاسِدَةِ ، فَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ شُرْبِ الْعَسَلِ لِاسْتِفْرَاغِهَا ، فَكَانَ كَذَلِكَ ، وَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالطِّبُّ نَوْعَانِ : طِبُّ الْيُونَانِ وَهُوَ قِيَاسِيٌّ ، وَطِبُّ الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَهُوَ تَجَارِبِيٌّ ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَصِفهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ يَكُونُ عَلِيلًا عَلَى طَرِيقَةِ طِبِّ الْعَرَبِ ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ . وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمِائَةِ فِي الطِّبِّ : إِنَّ الْعَسَلَ تَارَةً يَجْرِي سَرِيعًا إِلَى الْعُرُوقِ وَيَنْفُذُ مَعَهُ جُلُّ الْغِذَاءِ ، وَيُدِرُّ الْبَوْلَ فَيَكُونُ قَابِضًا ، وَتَارَةً يَبْقَى فِي الْمَعِدَةِ فَيُهَيِّجُهَا بِلَذْعِهَا حَتَّى يَدْفَعَ الطَّعَامَ وَيُسَهِّلَ الْبَطْنَ فَيَكُونُ مُسَهِّلًا . فَإِنْكَارُ وَصْفِهِ لِلْمُسْهِلِ مُطْلَقًا قُصُورٌ مِنَ الْمُنْكِرِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : طِبُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَيَقَّنٌ الْبُرْءُ لِصُدُورِهِ عَنِ الْوَحْي ، وَطِبُّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ أَوْ تَجْرِبَةٌ ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ الشِّفَاءُ عَنْ بَعْضِ مَنْ يَسْتَعْمِلُ طِبَّ النُّبُوَّةِ ، وَذَلِكَ لِمَانِعٍ قَامَ بِالْمُسْتَعْمِلِ مِنْ ضَعْفِ اعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ ، وَأَظْهَرُ الْأَمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ شِفَاءُ صَدْرِهِ لِقُصُورِهِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالتَّلَقِّي بِالْقَبُولِ ، بَلْ لَا يَزِيدُ الْمُنَافِقَ إِلَّا رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِ وَمَرَضًا إِلَى مَرَضِهِ ، فَطِبُّ النُّبُوَّةِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْأَبْدَانَ الطَّيِّبَةَ ، كَمَا أَنَّ شِفَاءَ الْقُرْآنِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْقُلُوبَ الطَّيِّبَةَ ; وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : فِي وَصْفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَسَلُ لِهَذَا الْمُنْسَهِلِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى عُمُومِهَا فِي الشِّفَاءِ . وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : صَدَقَ اللَّهُ ، أَيْ : فِي قَوْلِهِ : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ فَلَمَّا نَبَّهَهُ عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ تَلَقَّاهَا بِالْقَبُولِ ، فَشُفِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ . الثَّانِي : أَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ عَلَى الْمَأْلُوفِ مِنْ عَادَتِهِمْ مِنَ التَّدَاوِي بِالْعَسَلِ فِي الْأَمْرَاضِ كُلِّهَا . الثَّالِثُ : أَنَّ الْمَوْصُوفَ لَهُ ذَلِكَ كَانَتْ بِهِ هَيْضَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ . الرَّابِعُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِطَبْخِ الْعَسَلِ قَبْلَ شُرْبِهِ فَإِنَّهُ يَعْقِدُ الْبَلْغَمَ ، فَلَعَلَّهُ شَرِبَهُ أَوَّلًا بِغَيْرِ طَبْخٍ ، انْتَهَى . وَالثَّانِي وَالرَّابِعُ ضَعِيفَانِ ، وَفِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ احْتِمَالٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشِّفَاءُ يَحْصُلُ لِلْمَذْكُورِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَرَكَةُ وَصْفِهِ وَدُعَائِهِ ; فَيَكُونُ خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُلِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ : الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ مَرْفُوعًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْحَاكِمُ مَوْقُوفًا ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . وَأَثَرُ عَلِيٍّ : إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَوْهِبْ مِنَ امْرَأَتِهِ مِنْ صَدَاقِهَا فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَاءَ السَّمَاءِ فَيُجْمَعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ، أَنَّ الْأَلْفَاظَ لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَرِئَ الْعَلِيلُ مِنْ أَوَّلِ شَرْبَةٍ ، فَلَمَّا لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا بَعْدَ التَّكْرَارِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ تَقْتَصِرُ عَلَى مَعَانِيهَا . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُ هَذَا الِانْتِزَاعِ . وَقَالَ أَيْضًا : فِيهِ أَنَّ الَّذِي يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ الشِّفَاءَ قَدْ يَتَخَلَّفُ لِتَتِمَّ الْمُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا الدَّاءَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ : فَسَقَاهُ فَبَرَأَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزِ بِوَزْنِ قَرَأَ ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُهَا بِكَسْرِ الرَّاءِ بِوَزْنِ عَلِمَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي فِي آخِرِهِ فَسَقَاهُ فَعَافَاهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

المصدر: فتح الباري شرح صحيح البخاري

روابط ذات صلة


المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-34/h/353321

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة