حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب لَا هَامَةَ

وعن أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ، وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الْأَوَّلِ ، قُلْنَا : أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى ، فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ) كَذَا فِيهِ بِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ الْإِيرَادِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : لَا يُورِدُ ، بِلَفْظِ النَّفْيِ ، وَكَذَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَابِ .

وَالْمُمْرِضُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ الَّذِي لَهُ إِبِلٌ مَرْضَى ، وَالْمُصِحُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مَنْ لَهُ إِبِلٌ صِحَاحٌ ، نَهَى صَاحِبَ الْإِبِلِ الْمَرِيضَةِ أَنْ يُورِدَهَا عَلَى الْإِبِلِ الصَّحِيحَةِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْمُمْرِضُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَمْرَضَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَ مَاشِيَتَهُ مَرَضٌ ، وَالْمُصِحُّ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَصَحَّ إِذَا أَصَابَ مَاشِيَتَهُ عَاهَةٌ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهَا وَصَحَّتْ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : حَدِيثُ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِدُ الْجَامِعِ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى .

قَوْلُهُ : ( وَقُلْنَا : أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ : لَا عَدْوَى ، فَأَبَى أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَقَالَ الْحَارِثُ : إِنَّكَ حَدَّثْتَنَا فَذَكَرَهُ قَالَ : فَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَضِبَ وَقَالَ : لَمْ أُحَدِّثْكَ مَا تَقُولُ . قَوْلُهُ : ( فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : فَمَا رَآهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى رَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ : أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : إِنِّي قُلْتُ أَبَيْتُ .

قَوْلُهُ : ( فَمَا رَأَيْتُهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَمَا رَأَيْنَاهُ ( نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَمْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلْآخَرِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَةَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَمَامَ التَّعَارُضِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْجُذَامِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا عَدْوَى ، نَهْيٌ عَنِ اعْتِقَادِهَا وَقَوْلُهُ : لَا يُورِدُ ، سَبَبُ النَّهْيِ عَنِ الْإِيرَادِ خَشْيَةُ الْوُقُوعِ فِي اعْتِقَادِ الْعَدْوَى ، أَوْ خَشْيَةُ تَأْثِيرِ الْأَوْهَامِ ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُذَامَ يُعْدِي يَجِدُ فِي نَفْسِهِ نَفْرَةً ، حَتَّى لَوْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ لَتَأَلَّمَتْ بِذَلِكَ ، فَالْأَوْلَى بِالْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمِثْلِ ذَلِكَ بَلْ يُبَاعِدُ أَسْبَابَ الْآلَامِ وَيُجَانِبُ طُرُقَ الْأَوْهَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْمَعُ هَذَا الْحَدِيثَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَ مَنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ مَقَالَتِي ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْسَى تِلْكَ الْمَقَالَةَ الَّتِي قَالَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ لَا أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ النِّسْيَانُ أَصْلًا . وَقِيلَ : كَانَ الْحَدِيثُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فَسَكَتَ عَنِ الْمَنْسُوخِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا عَدْوَى ، النَّهْيُ عَنِ الِاعْتِدَاءِ ، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ أُجْلِبَ عَلَيْهِ إِبِلًا جَرْبَاءَ أَرَادَ تَضْمِينَهُ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ فِي إِسْقَاطِ الضَّمَانِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَصَابَهَا مَا قُدِّرَ عَلَيْهَا وَمَا لَمْ تَكُنْ تَنْجُو مِنْهُ ، لِأَنَّ الْعَجْمَاءَ جُبَارٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ هَذَا عَلَى ظَنِّهِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ انْتَهَى .

فَأَمَّا دَعْوَى نِسْيَانِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْحَدِيثِ فَهُوَ بِحَسَبِ مَا ظَنَّ أَبُو سَلَمَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ رِوَايَةُ يُونُسَ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا ، وَأَمَّا دَعْوَى النَّسْخِ فَمَرْدُودَةٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ ، وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ فَبَعِيدٌ مِنْ مَسَاقِ الْحَدِيثِ ، وَالَّذِي بَعْدَهُ أَبْعَدُ مِنْهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُتَ عَنِ الْآخَرِ حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَافَ اعْتِقَادَ جَاهِلٍ يَظُنُّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ ، فَسَكَتَ عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَفِي جَوَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ جَوَازُ مُشَافَهَةِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي اعْتِقَادِهِ بِذِكْرِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ إِذَا كَانَ السَّائِلُ أَهْلًا لِفَهْمِهِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ قَاصِرًا فَيُخَاطَبُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ عَقْلُهُ مِنَ الْإِقْنَاعِيَّاتِ .

قَالَ : وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِلْأَعْرَابِيِّ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ لِلطَّبَائِعِيِّينَ أَوَّلًا وَلِلْمُعْتَزِلَةِ ثَانِيًا ، فَقَالَ الطَّبَائِعِيُّونُ بِتَأْثِيرِ الْأَشْيَاءِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَإِيجَادِهَا إِيَّاهَا ، وَسَمَّوُا الْمُؤَثِّرَ طَبِيعَةً ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ بِنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالْمُتَوَلِّدَاتِ وَأَنَّ قَدَرَهُمْ مُؤَثِّرَةٌ فِيهَا بِالْإِيجَادِ ، وَأَنَّهُمْ خَالِقُونَ لِأَفْعَالِهِمْ مُسْتَقِلُّونَ بِاخْتِرَاعِهَا ، وَاسْتَنَدَ الطَّائِفَتَانِ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ الْحِسِّيَّةِ ، وَنَسَبُوا مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ إِلَى إِنْكَارِ الْبَدِيهَةِ ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ غَلَطًا فَاحِشًا لِالْتِبَاسِ إِدْرَاكِ الْحِسِّ بِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَ إِنَّمَا هُوَ تَأْثِيرُ شَيْءٍ عِنْدَ شَيْءٍ آخَرَ ، وَهَذَا حَظُّ الْحِسِّ ، فَأَمَّا تَأْثِيرُهُ فَهُوَ فِيهِ حَظُّ الْعَقْلِ ، فَالْحِسُّ أَدْرَكَ وُجُودَ شَيْءٍ عِنْدَ وُجُودِ شَيْءٍ وَارْتِفَاعَهُ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ ، أَمَّا إِيجَادُهُ بِهِ فَلَيْسَ لِلْحِسِّ فِيهِ مَدْخَلٌ ، فَالْعَقْلُ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ فَيُحْكَمُ بِتَلَازُمِهِمَا عَقْلًا أَوْ عَادَةً مَعَ جَوَازِ التَّبَدُّلِ عَقْلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ وُقُوعُ تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ إِذَا جَمَعَهُمَا وَصْفٌ خَاصٌّ وَلَوْ تَبَايَنَا فِي الصُّورَةِ . وَفِيهِ شِدَّةُ وَرَعِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْحَارِثِ أَغْضَبَهُ حَتَّى تَكَلَّمَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَفَسَّرَ لَهُ فِي الْحَالِ مَا قَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث