بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الشَّيْبِ
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ : أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ، وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلَاثَ أَصَابِعَ مِنْ قُصَّةٍ فِيهِا شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ ، فَاطَّلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ ابْنُ غَسَّانَ النَّهْدِيُّ ، وَإِسْرَائِيلُ هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ هُوَ التَّيْمِيُّ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ سَبَقَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ) يَعْنِي زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَهْلِهِ ، وَلَكِنَّهُمْ مِنْ آلِ طَلْحَةَ لِأَنَّهُمْ مَوَالِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِأَهْلِهِ امْرَأَتَهُ .
قَوْلُهُ : ( بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ، وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلَاثَ أَصَابِعَ مِنْ قُصَّةٍ فِيهَا ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِه قُصَّةٍ هُوَ بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ صَادٍ مُهْمَلَةٍ أَوْ بِفَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ؟ فَأَمَّا قَوْلُهُ وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلَاثَ أَصَابِعَ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى صِغَرِ الْقَدَحِ ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَدِ إِرْسَالِ عُثْمَانَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهَا فَضَمِيرٌ لِمَعْنَى الْقَدَحِ ؛ لِأَنَّ الْقَدَحَ إِذَا كَانَ فِيهِ مَائِعٌ يُسَمَّى كَأْسًا وَالْكَأْسُ مُؤَنَّثَةٌ ، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ كَمَا سَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فَوَاضِحَةٌ ، وَقَوْلُهُ مِنْ فِضَّةٍ إِنْ كَانَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ فَهُوَ بَيَانٌ لِجِنْسِ الْقَدَحِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ لَا أَنَّهُ كَانَ كُلُّهُ فِضَّةً . قُلْتُ : وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ لَا تُجِيزُ اسْتِعْمَالَ آنِيَةِ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَجَازَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْتِعْمَالَ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ مِنَ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ؟ وَإِنْ كَانَ بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ فَهُوَ مِنْ صِفَةِ الشَّعْرِ عَلَى مَا فِي التَّرْكِيبِ مِنْ قَلَقِ الْعِبَارَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : عَلَيْكَ بِتَوْجِيهِهِ .
وَيَظْهَرُ أَنَّ مِنْ سَبَبِيَّةٌ ، أَيْ أَرْسَلُونِي بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بِسَبَبِ قُصَّةٍ فِيهَا شَعْرٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مَحْفُوظَةٌ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَى أَنَّهُ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ وَلَفْظُهُ أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ، فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعْرٌ إِلَخْ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ إِسْرَائِيلَ ، فَكَأَنَّهُ سَقَطَ عَلَى رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ وَبِهِ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ ، وَيُعْرَفُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ فِضَّةٍ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ وأَنَّهُ صِفَةُ الْجُلْجُلِ لَا صِفَةُ الْقَدَحِ الَّذِي أَحْضَرَهُ عُثْمَانُ بْنُ مُوهِبٍ ، قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ : وَقَعَ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ بَعْدَمَا رَوَاهُ عَنْ إِسْرَائِيلَ فَقَالَ كَانَ جُلْجُلًا مِنْ فِضَّةٍ صِيغَ صَوَّانًا لِشَعَرَاتٍ كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ) النَّاسُ ( إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانُ ) أَيْ مِنْهُمْ ( عَيْنٌ ) أَيْ أُصِيبَ بِعَيْنٍ ( أَوْ شَيْءٍ ) أَيْ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ كَانَ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْآنِيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ مَنِ اشْتَكَى أَرْسَلَ إِنَاءً إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَتَجْعَلُ فِي تِلْكَ الشَّعَرَاتِ وَتَغْسِلُهَا فِيهِ وَتُعِيدُهُ فَيَشْرَبُهُ صَاحِبُ الْإِنَاءِ أَوْ يَغْتَسِلُ بِهِ اسْتِشْفَاءً بِهَا فَتَحْصُلُ لَهُ بَرَكَتُهَا .
قَوْلُهُ : ( فَاطَّلَعَتْ فِي الْجُلْجُلِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِجِيمَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ بَيْنَهُمَا لَامٌ وَآخِرُهُ أُخْرَى ، هُوَ شِبْهُ الْجَرَسِ ، وَقَدْ تُنْزَعُ مِنْهُ الْحَصَاةُ الَّتِي تَتَحَرَّكُ فَيُوضَعُ فِيهِ مَا يُحْتَاجُ إِلَى صِيَانَتِهِ ، وَالْقَائِلُ فَاطَّلَعَتْ هُوَ عُثْمَانُ ، وَقِيلَ إِنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْجَحْلَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفُسِّرَ بِالسِّقَاءِ الضَّخْمِ ، وَمَا أَظُنُّهُ تَصْحِيفًا لِأَنَّهُ كَانَ صَوَّانًا لِلشَّعَرَاتِ كَمَا جَزَمَ بِهِ وَكِيعٌ أَحَدُ رُوَاةِ الْخَبَرِ كَانَ الْمُنَاسِبُ لَهُنَّ الظَّرْفَ الصَّغِيرَ لَا الْإِنَاءَ الضَّخْمَ ، وَلَمْ يُفَسِّرْ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَلَا النِّهَايَةُ الْجُلْجُلَ كَأَنَّهُمَا تَرَكَاهُ لِشُهْرَتِهِ ، لَكِنْ حَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ الْمُخَضَّبِ بَدَلَ الْجُلْجُلِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا مَخْضُوبًا وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ .