بَاب حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ الْبُخْلِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ ، فَقَالَ : لَا . الحديث الرابع : حَدِيثُ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ .
قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ . قَوْلُهُ : ( مَا سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَكَذَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ : مَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ ، فَقَالَ لَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَعْنَاهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَمَنَعَهُ ، قَالَ الْفَرَزْدَقُ : مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ، قُلْتُ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُعْطِي مَا يُطْلَبُ مِنْهُ جَزْمًا ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِالرَّدِّ ، بَلْ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَعْطَاهُ إِنْ كَانَ الْإِعْطَاءُ سَائِغًا وَإِلَّا سَكَتَ . وَقَدْ وَرَدَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَلَفْظُهُ : إِذَا سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ قَالَ نَعَمْ ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ سَكَتَ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي فِي الْأَطْعِمَةِ : مَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : مَعْنَاهُ لَمْ يَقُلْ لَا مَنْعًا لِلْعَطَاءِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا اعْتِذَارًا كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ وَبَيْنَ لَا أَحْمِلُكُمْ .
قُلْتُ : وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ لَمَّا سَأَلَ الْأَشْعَرِيُّونَ الْحِمْلَانِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْأَشْعَرِيِّ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَفَ لَا يَحْمِلُهُمْ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ بِمَا إِذَا سُئِلَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَالسَّائِلُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ ذَلِكَ ، أَوْ حَيْثُ كَانَ الْمَقَامُ لَا يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى السُّكُوتِ مِنَ الْحَالَةِ الْوَاقِعَةِ أَوْ مِنْ حَالِ السَّائِلِ ، كَأَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْرِفِ الْعَادَةَ ، فَلَوِ اقْتَصَرَ فِي جَوَابِهِ عَلَى السُّكُوتِ مَعَ حَاجَةِ السَّائِلِ لَتَمَادَى عَلَى السُّؤَالِ مَثَلًا ، وَيَكُونُ الْقَسَمُ عَلَى ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِقَطْعِ طَمَعِ السَّائِلِ ، وَالسِّرُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ : لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ ، وَقَوْلِهِ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ أَنَّ الْأَوَّلَ لِبَيَانِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّفُ الْإِجَابَةَ إِلَى مَا سُئِلَ بِالْقَرْضِ مَثَلًا أَوْ بِالِاسْتِيهَابِ ؛ إِذْ لَا اضْطِرَارَ حِينَئِذٍ إِلَى ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ . وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ لَازِمِ عَدَمِ قَوْلِ لَا إِثْبَاتَ نَعَمْ ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ الْبُخْلِ ، لِأَنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَاظَبَ عَلَى شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ وُجُوبِهِ ، وَالتَّرْجَمَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْبُخْلَ مَكْرُوهٌ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِذَا تَمَّ هَذَا الْبَحْثُ حُمِلَتِ الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ ، لَكِنَّهُ لَا يَتِمُّ لِأَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ مِنَ الْبُخْلِ مَا يَمْنَعُ الْوَاجِبَ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لَكِنْ عَلَى مَنْ هُوَ فِي مَقَامِ النُّبُوَّةِ ، إِذْ مُقَابِلُهُ نَقْصٌ مُنَزَّهٌ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ ، فَيَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالتَّرْجَمَةُ تَتَضَمَّنُ أَنَّ مِنَ الْبُخْلِ مَا يُكْرَهُ ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ كَمَا أَنَّ فِيهِ مَا يُبَاحُ بَلْ وَيُسْتَحَبُّ بَلْ وَيَجِبُ ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ يُكْرَهُ .