بَاب حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ الْبُخْلِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، سَمِعَ سَلَّامَ بْنَ مِسْكِينٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ثَابِتًا يَقُولُ : حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ ؟ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ؟ الحديث الثامن : حَدِيثُ أَنَسٍ ، قَوْلُهُ : ( خَدَمْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ سِنِينَ ) تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ ، وَمِثْلَهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ ، وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَتِهِ لَهُ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَبَعْدَ تَزْوِيجِ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ ، فَقَدْ مَضَى فِي الْوَصَايَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، وَلَيْسَ لَهُ خَادِمٌ ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدَيَّ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ ، قَالَ : فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَأَشَارَ بِالسَّفَرِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرِهَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ مَنْ يَخْدُمُهُ فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا ؛ فَأُشْكِلَ هَذَا عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ بَيْنَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ وَبَيْنَ خُرُوجِهِ إِلَى خَيْبَرَ سِتَّ سِنِينَ وَأَشْهُرًا . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ مَنْ يَكُونُ أَسَنَّ مِنْ أَنَسٍ وَأَقْوَى عَلَى الْخِدْمَةِ فِي السَّفَرِ ؛ فَعَرَفَ أَبُو طَلْحَةَ مِنْ أَنَسٍ الْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ فَأَحْضَرَهُ ، فَلِهَذَا قَالَ أَنَسٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : خَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعِدَّةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَوَالِدُ أَنَسٍ حَيٌّ ؛ فَعَرَفَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُسْلِمْ وَخَرَجَ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَقَتَلَهُ عَدُوٌّ لَهُ ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ قَدْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ ؛ فَاتَّفَقَ أَنَّهُ خَطَبَهَا فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ فَأَسْلَمَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مُدَّةُ خِدْمَةِ أَنَسٍ تِسْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا ، فَأَلْغَى الْكَسْرَ مَرَّةً وَجَبَرَهُ أُخْرَى . وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفٌّ قَطُّ ، قَالَ الرَّاغِبُ : أَصْلُ الْأُفِّ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ مِنْ وَسَخٍ كَقُلَامَةِ الظُّفُرِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِكُلِّ مُسْتَخَفٍّ بِهِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا عِنْدَ تَكَرُّهِ الشَّيْءِ وَعِنْدَ التَّضَجُّرِ مِنَ الشَّيْءِ ، وَاسْتَعْمَلُوا مِنْهَا الْفِعْلَ كَأَفَفْتُ بِفُلَانٍ ، وَفِي أُفٍّ عِدَّةُ لُغَاتٍ : الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُنَا أُفًّا بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِبَعْضِ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ ضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ ، وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الرُّمَّانِيُّ فِيهَا لُغَاتٌ كَثِيرَةٌ ، فَبَلَّغَهَا تِسْعًا وَثَلَاثِينَ ، وَنَقَلَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ وَزَادَ وَاحِدَةً أَكْمَلَهَا أَرْبَعِينَ ، وَقَدْ سَرَدَهَا أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ وَاعْتَمَدَ عَلَى ضَبْطِ الْقَلَمِ .
وَلَخَّصَ ضَبْطَهَا صَاحِبُهُ الشِّهَابُ السَّمِينُ وَلَخَّصْتُهُ مِنْهُ ، وَهِيَ السِّتَّةُ الْمُقَدَّمَةُ ، وَبِالتَّخْفِيفِ كَذَلِكَ سِتَّةٌ أُخْرَى ، وَبِالسُّكُونِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا ، وَبِزِيَادَةِ هَاءِ سَاكِنَةٍ فِي آخِرِهِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا ، وَأُفِّي بِالْإِمَالَةِ وَبَيْنَ بَيْنَ وَبِلَا إِمَالَةِ الثَّلَاثَةُ بِلَا تَنْوِينٍ ، وَأُفُّو بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ وَإِفِّي بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ . فَذَلِكَ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ ضَمِّ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا ، فَأَمَّا بِكَسْرِهَا فَفِي إِحْدَى عَشْرَةَ : كَسْرُ الْفَاءِ وَضَمُّهَا وَمُشَدَّدًا مَعَ التَّنْوِينِ وَعَدَمُهُ أَرْبَعَةٌ وَمُخَفَّفًا بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ مَعَ التَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ سِتَّةٌ ، وَأفِّي بِالْإِمَالَةِ وَالتَّشْدِيدِ ، وَأَفًّا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَفِي سِتٍّ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ أَرْبَعَةٌ بِالسُّكُونِ وَبِأَلِفٍ مَعَ التَّشْدِيدِ ، وَالَّتِي زَادَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ أُفَاهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَزِيَادَةُ أَلِفٍ وَهَاءٍ سَاكِنَةٍ ، وَقُرِئَ مِنْ هَذِهِ اللُّغَاتِ سِتٌّ كُلُّهَا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، فَأَكْثَرُ السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الْفَاءِ مُشَدَّدًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَنَافِعٌ ، وَحَفْصٌ كَذَلِكَ لَكِنْ بِالتَّنْوِينِ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَابْنُ عَامِرٍ بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ بِلَا تَنْوِينٍ ، وَقَرَأَ أَبُو السِّمَاكِ كَذَلِكَ لَكِنْ بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسُكُونِ الْفَاءِ . قُلْتُ : وَبَقِيَ مِنَ الْمُمْكِنِ فِي ذَلِكَ أُفَّيْ كَمَا مَضَى لَكِنْ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ ، وَأُفَّيْهِ بِزِيَادَةِ هَاءٍ ، وَإِذَا ضَمَمْتَ هَاتَيْنِ إِلَى الَّتِي زَادَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ وَأَضَفْتَهَا إِلَى مَا بُدِئَ بِهِ صَارَتِ الْعِدَّةُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ كُلُّهَا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، فَإِذَا اسْتَعْمَلْتَ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ كَانَ الَّذِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ كَذَلِكَ وَبِكَسْرِهَا كَذَلِكَ فَتَكْمُلُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى هَلَّا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِشَيْءٍ مِمَّا يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا ، وَلِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ مَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا كَذَا ، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا كَذَا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا تَرْكُ الْعِتَابِ عَلَى مَا فَاتَ ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْدُوحَةً عَنْهُ بِاسْتِئْنَافِ الْأَمْرِ بِهِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ ، وَفَائِدَةُ تَنْزِيهِ اللِّسَانِ عَنِ الزَّجْرِ وَالذَّمِّ وَاسْتِئْلَافِ خَاطِرِ الْخَادِمِ بِتَرْكِ مُعَاتَبَتِهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِحَطِّ الْإِنْسَانِ ، وَأَمَّا الْأُمُورُ اللَّازِمَةُ شَرْعًا فَلَا يُتَسَامَحُ فِيهَا لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ .