بَاب مَا يُنْهَى مِنْ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَقَالَ : أَتُرَى بِي بَأْسٌ ، أَمَجْنُونٌ أَنَا ؟ اذْهَبْ . الحديث الخامس : حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَاتٌ ، وَهُوَ ابْنُ الْجَوْنِ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ الْخُزَاعِيُّ ، صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ يُقَالُ : كَانَ اسْمُهُ يَسَارٌ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُهْمَلَةٍ ، فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُكَنَّى أَبَا الْمُطَرِّفِ ، وَقُتِلَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً . قَوْلُهُ : ( اسْتَبَّ رَجُلَانِ ) لَمْ أَعْرِفْ أَسْمَاءَهُمَا وَوَقَعَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا السَّنَدِ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْوَدَجِ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ : حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ أَنْفَهُ لَيَتَمَزَّعُ مِنَ الْغَضَبِ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ : لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الرَّجِيمِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَلَفْظُهُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ يَقُولُهَا هَذَا الْغَضْبَانُ لَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبَ : اللَّهُمَّ إِنَى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقَالُوا لَهُ ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ : قَالَ : فَجَعَلَ مُعَاذُ يَأْمُرُهُ ، فَأَبَى وَضَحِكَ وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَبًا ، قَوْلُهُ : ( وَقَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تَعَوَّذْ بِاللَّهِ ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْشَدَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ ، لَكِنِ اسْتَفَادُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عُمُومِ الْأَمْرِ بِالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ .
قَوْلُهُ : ( أَتُرَى بِي بَأْسٌ ؟ ) بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ أَتَظُنُّ ، وَوَقَعَ بَأْسٌ هُنَا بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي بَعْضِهَا بَأْسًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ أَوْجَهُ . قَوْلُهُ : ( أَمَجْنُونٌ أَنَا ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ : وَهَلْ بِي مِنْ جُنُونٍ ؟ قَوْلُهُ : ( اذْهَبْ ) هُوَ خِطَابٌ مِنَ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ أَيِ امْضِ فِي شُغْلِكَ . وَأَخْلَقُ بِهَذَا الْمَأْمُورِ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا ، أَوْ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَضَبُ حَتَّى أَخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ بِحَيْثُ زَجَرَ النَّاصِحَ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَا يُزِيلُ عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنْ وَهَجِ الْغَضَبِ بِهَذَا الْجَوَابِ السَّيِّئِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِيذُ مِنَ الشَّيْطَانَ إِلَّا مَنْ بِهِ جُنُونٌ ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْغَضَبَ نَوْعٌ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ ، وَلِهَذَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ صُورَتِهِ وَيُزَيِّنُ إِفْسَادَ مَا لَهُ كَتَقْطِيعِ ثَوْبِهِ وَكَسْرِ آنِيَّتِهِ أَوِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَنْ أَغْضَبَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ مَنْ يَخْرُجُ عَنِ الِاعْتِدَالِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ : رَفَعَهُ إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ .
الْحَدِيثَ .