بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَادُحِ
حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْحَكَ ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ، يَقُولُهُ مِرَارًا ، إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ ؛ فَلْيَقُلْ : أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا ، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ ، واللَّهُ حَسِيبُهُ ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا . قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ : وَيْلَكَ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( عَنْ خَالِدٍ ) هُوَ الْحَذَّاءُ ، وَصَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ .
قَوْلُهُ : ( أنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا ) ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ : فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا لَعَلَّهُ يَعْنِي الصَّلَاةَ لِمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( وَيْحَكَ ) هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ وَتَوَجُّعٍ ، وَوَيْلٌ كَلِمَةُ عَذَابٍ ، وَقَدْ تَأْتِي مَوْضِعَ وَيْحٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ . قَوْلُهُ : ( قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ يَقُولُهُ مِرَارًا ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ الَّتِي مَضَتْ فِي الشَّهَادَاتِ : وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ، مِرَارًا .
وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الَّتِي سَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا بَعْدُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا . قَوْلُهُ : ( إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، وَقَالَ : إِنْ كَانَ . قَوْلُهُ : ( لَا مَحَالَةَ ) أَيْ لَا حِيلَةَ لَهُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَهِيَ بِمَعْنَى لَا بُدَّ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ ، وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَوْلِ أَيِ الْقُوَّةُ وَالْحَرَكَةُ .
قَوْلُهُ : ( فَلْيَقُلْ : أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُظَنُّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ : إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ . قَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيه وَبَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ مُوَحَّدَةٌ أَيْ كَافِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُنَا فَعِيلٌ مِنَ الْحِسَابِ أَيْ مُحَاسَبَةٌ عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ ، وَهِيَ جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هِيَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَقُولِ ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ فَلْيَقُلْ ، وَالْمَعْنَى فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ أَنَّ فُلَانًا كَذَا إِنْ كَانَ يُحْسَبُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجَازِيهِ ، وَلَا يَقُلْ أَتَيَقَّنُ وَلَا أَتَحَقَّقُ جَازِمًا بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يُزَكَّى عَلَى اللَّهِ أَحَدٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : وَلَا يُزَكِّي بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ أَوَّلًا الْمَقُولُ لَهُ فَلْيَقُلْ ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ وَلَا أُزَكِّي بِهَمْزَةٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ لَا أَقْطَعُ عَلَى عَاقِبَةِ أَحَدٍ وَلَا عَلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنْهُ ، وَجِيءَ بِذَلِكَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ لَا تُزَكُّوا أَحَدًا عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِكُمْ مِنْكُمْ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ ) يَعْنِي بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ ( وَيْلَكَ ) أَيْ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ وَيْلَكَ بَدَلَ وَيْحَكَ ، وَسَتَأْتِي رِوَايَةُ وُهَيْبٍ مَوْصُولَةً فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ وَيْلَكَ ، وَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ هُنَاكَ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حَاصِلُ النَّهْيِ أَنَّ مَنْ أَفْرَطَ فِي مَدْحِ آخَرَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى الْمَمْدُوحِ الْعُجْبَ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ، فَرُبَّمَا ضَيَّعَ الْعَمَلَ وَالِازْدِيَادَ مِنَ الْخَيْرِ اتِّكَالًا عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَمْدَحُ النَّاسَ فِي وُجُوهِهِمْ بِالْبَاطِلِ ، وَقَالَ عُمَرُ : الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ . قَالَ : وَأَمَّا مَنْ مُدِحَ بِمَا فِيهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ ، فَقَدْ مُدِحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشِّعْرِ وَالْخُطَبِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَلَمْ يَحْثُ فِي وَجْهِ مَادِحِهِ تُرَابًا .
انْتَهَى مُلَخَّصًا . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا هَذَا وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاسْتَعْمَلَهُ الْمِقْدَادُ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَالثَّانِي الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ كَقَوْلِهِمْ لِمَنْ رَجَعَ خَائِبًا رَجَعَ وَكَفُّهُ مَمْلُوءَةٌ تُرَابًا . وَالثَّالِثُ قُالُوا لَهُ بِفِيكَ التُّرَابُ ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ لِمَنْ تَرَكهُ قَوْلَهُ .
وَالرَّابِعُ أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْدُوحِ كَأَنْ يَأْخُذَ تُرَابًا فَيَبْذُرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ مَصِيرَهُ إِلَيْهِ فَلَا يَطْغَى بِالْمَدْحِ الَّذِي سَمِعَهُ . وَالْخَامِسُ الْمُرَادُ بِحَثْوِ التُّرَابِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ إِعْطَاؤُهُ مَا طُلِبَ لِأَنَّ كُلَّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابٌ ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَيْضَاوِيُّ وَقَالَ : شَبَّهَ الْإِعْطَاءَ بِالْحَثْيِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْشِيحِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّقْلِيلِ وَالِاسْتِهَانَةِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ دَفْعُهُ عَنْهُ وَقَطْعُ لِسَانِهِ عَنْ عِرْضِهِ بِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الرَّضْخِ ، وَالدَّافِعُ قَدْ يَدْفَعُ خَصْمَهُ بِحَثْيِ التُّرَابِ عَلَى وَجْهِهِ اسْتِهَانَةً بِهِ . وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَوَرَدَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ : إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحُ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ ، وَإِلَى لَفْظِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مُطَوَّلًا ، وَفِيهِ : وَإِيَّاكُمْ وَالْمَدْحَ فَإِنَّهُ مِنَ الذَّبْحِ ، وَأَمَّا مَا مُدِحَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أَرْشَدَ مَادِحِيهِ إِلَى مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ ضَبَطَ الْعُلَمَاءُ الْمُبَالَغَةَ الْجَائِزَةَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ الْمَمْنُوعَةِ بِأَنَّ الْجَائِزَةَ يَصْحَبُهَا شَرْطٌ أَوْ تَقْرِيبٌ ، وَالْمَمْنُوعَةُ بِخِلَافِهَا ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الْمَعْصُومِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَيْدٍ كَالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَصَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا بَعْضَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ لِابْنِ عَمْرٍو : نِعْمَ الْعَبْدُ عَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ : آفَةُ الْمَدْحِ فِي الْمَادِحِ أَنَّهُ قَدْ يَكْذِبُ وَقَدْ يُرَائِي الْمَمْدُوحَ بِمَدْحِهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ : إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ ، وَقَدْ يَقُولُ مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ مِمَّا لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ إِنَّهُ وَرِعٌ وَمُتَّقٍ وَزَاهِدٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : رَأَيْتُهُ يُصَلِّي أَوْ يَحُجَّ أَوْ يُزَكِّي فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَكِنْ تَبْقَى الْآفَةُ عَلَى الْمَمْدُوحِ ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ الْمَدْحُ كِبْرًا أَوْ إِعْجَابًا أَوْ يَكِلُهُ عَلَى مَا شَهَرَهُ بِهِ الْمَادِحُ فَيَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَسْتَمِرُّ فِي الْعَمَلِ غَالِبًا هُوَ الَّذِي يَعُدُّ نَفْسَهُ مُقَصِّرًا ، فَإِنْ سَلِمَ الْمَدْحُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ مُسْتَحَبًّا ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَضُرَّهُ الْمَدْحُ ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إِذَا مُدِحَ الرَّجُلُ فِي وَجْهِهِ فَلْيَقُلِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ ، وَلَا تُؤَاخِذنِي بِمَا يَقُولُونَ ، وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ .