بَاب أَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
بَاب أَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ 6186 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ ، فَقُلْنَا : لَا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ وَلَا كَرَامَةَ . فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رفعه : إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ .
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ ، وَآخَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِثْلُهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَلْتَحِقُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مَا كَانَ مِثْلَهُمَا كَعَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الصَّمَدِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَا هُوَ وَصْفٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ وَمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ وَوَاجِبٌ لَهُ وَهُوَ الْعُبُودِيَّةُ . ثُمَّ أُضِيفَ الْعَبْدُ إِلَى الرَّبِّ إِضَافَةً حَقِيقِيَّةً فَصَدَقَتْ أَفْرَادُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَشَرُفَتْ بِهَذَا التَّرْكِيبِ فَحَصَلَتْ لَهَا هَذِهِ الْفَضِيلَةُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الِاسْمَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ إِضَافَةُ عَبْدٍ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرِهِمَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ : إِذَا سَمَّيْتُمْ فَعَبِّدُوا ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا تُعُبِّدَ بِهِ ؛ وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ جَابِرٍ : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ ) اسْمُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ ) مُقْتَضَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ ، عَنْ خَالِدٍ الواسطي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا : فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا ، إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ عَبْثَرٍ - وَهُوَ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ، بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ - عَنْ حُصَيْنٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ . ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ خَالِدٍ وَقَالَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ : فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ، وَكَأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى خَالِدٍ ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبِ بْنِ بَقِيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ فَقَالَ : فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ فَقَالَ : سَمَّاهُ الْقَاسِمُ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ كَذَلِكَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ خَالِدٍ فَقَالَ : سَمَّاهُ بِاسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهَكَذَا قَالَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ زِيَادٍ الْبُكَائِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ كَمَا قَالَ رِفَاعَةُ ، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ أَيْضًا فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ يَعْنِي قَسْمُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ فَرْضُ الْخُمُسِ ، فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَاكَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ الْأَعْمَشُ - ، وَمَنْصُورٌ ، وَقَتَادَةُ قَالُوا : سَمِعْنَا سَالِمًا - أَيِ ابْنَ أَبِي الْجَعْدِ - ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا .
قَالَ : وَقَالَ عُمَرُو - يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ - ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ بِسَنَدِهِ : أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ فَقَالَ فِيهِ : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا ، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ : لَا نَدَعُكَ تُسَمِّيهِ بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ بِابْنِهِ حَامِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ بَيَّنَ شُعْبَةُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : حَمَلْتُهُ عَلَى عُنُقِي ، أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ مُسْنَدِ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنْهُ ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ جَابِرٍ ، وَفِيهِ أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالْأَطْرَافِ ، وَقَدَّمْتُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ أَرْجَحُ ، وَذَكَرْتُ وَجْهَ رُجْحَانِهِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . قَوْلُهُ : ( لَا نُكَنِّيكَ أَبَا الْقَاسِمِ وَلَا كَرَامَةَ ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَلَا نُنَعِّمُكَ عَيْنًا ؛ هُوَ مِنَ الْإِنْعَامِ ، أَيْ لَا نُنَعِّمُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ فَتَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ تَكْنِيَةِ الْمَرْءِ بِمَنْ يُولَدُ لَهُ وَلَا يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ أَوْلَادِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ : فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ) فِي مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ عُسْرٌ ، وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ التَّكَنِّي بِكُنْيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَضَى مَشْرُوعِيَّةُ الْكُنْيَةِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يُسَمِّيَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ اخْتَارَ لَهُ اسْمًا يَطِيبُ خَاطِرُهُ بِهِ إِذْ غَيَّرَ الِاسْمَ ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِاسْمٍ حَسَنٍ ، وَتَوْجِيهُ كَوْنِهِ أَحْسَنُ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ . قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَشَارِقِ : لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ، وَفِيهَا أُصُولٌ وَفُرُوعٌ ؛ أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقِ ، قَالَ : وَلِلْأُصُولِ أُصُولٌ ؛ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، فَأُصُولُ الْأُصُولِ اسْمَانِ : اللَّهُ ، وَالرَّحْمَنُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِمَا أَحَدٌ .
وَمَا وَرَدَ مِنْ رَحْمنِ الْيَمَامَةِ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّهُ مُضَافٌ ، وَقَوْلُ شَاعِرِهِمْ : وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْتَ رَحْمَانَا تَغَالَى فِي الْكُفْرِ ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ ، وَلَا يُرَدُّ إِطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَهُ وَصْفًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ ، وَقَدْ لُقِّبَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ وَلَمْ يَقَعْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الرَّحْمَنِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كَانَتْ إِضَافَةُ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً مَحْضَةً ، فَظَهَرَ وَجْهُ الْأَحَبِّيَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .