بَاب الْمَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ
بَاب الْمَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : سَمِعْتُ أَنَسًا : مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ ، فَقَالَ : كَيْفَ الْغُلَامُ ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : هَدَأَت نَفَسُهُ ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ . وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ 6209 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ ، فَحَدَا الْحَادِي ، فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ - وَيْحَكَ - بِالْقَوَارِيرِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( الْمَعَارِيضُ ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ التِّينِ الْمَعَارِضُ بِغَيْرِ يَاءٍ ، وَصَوَابُهُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ ، قَالَ : وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ مِنَ التَّعْرِيضِ خِلَافِ التَّصْرِيحِ .
قَوْلُهُ : ( مَنْدُوحَةٌ ) بِوَزْنِ مَفْعُولَةٍ بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ ؛ أَيْ فُسْحَةٌ وَمُتَّسَعٌ ، نَدَحْتُ الشَّيْءَ وَسَّعْتُهُ ، وَانْتَدَحَ فُلَانٌ بِكَذَا اتَّسَعَ ، وَانْتَدَحَتِ الْغَنَمُ فِي مَرَابِضِهَا إِذَا اتَّسَعَتْ مِنَ الْبِطْنَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي الْمَعَارِيضَ من الاتساع مَا يُغْنِي عَنِ الْكَذِبِ . وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَمَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا أَنْشَدَنَا فِيهِ شِعْرًا وَقَالَ : إِنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ مَرْفُوعًا وَوَهَّاهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ كَامِلٍ فِي فَوَائِدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِهِ كَذَلِكَ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ وَاهٍ أَيْضًا ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : أَمَا فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكْفِي الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَذِبِ ؟ وَالْمَعَارِيضُ وَالْمَعَارِضُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ أَوْ بِحَذْفِهَا كَمَا تَقَدَّمَ جَمْعُ مِعْرَاضٍ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالْقَوْلِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ خِلَافُ التَّصْرِيحِ ، وَهُوَ التَّوْرِيَةُ بِالشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ . وَقَالَ الرَّاغِبُ : التَّعْرِيضُ كَلَامٌ لَهُ وَجْهَانِ فِي صِدْقٍ وَكَذِبٍ ، أَوْ بَاطِنٍ وَظَاهِرٍ . قُلْتُ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : كَلَامٌ لَهُ وَجْهَانِ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا وَالْمُرَادُ لَازِمُهُ .
وَمِمَّا يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَالْكِنَايَةِ ، وَلِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ جُزْءٌ جَمَعَهُ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْحَاقُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَنَائِزِ ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُ أُمِّ سُلَيْمٍ : هَدَأَ نَفَسُهُ ; وَأَرْجُو أَنْ قَدِ اسْتَرَاحَ ، فَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمَرِيضَ تَعَافَى ; لِأَنَّ قَوْلَهَا : هَدَأَ مَهْمُوزٌ بِوَزْنِ سَكَنَ وَمَعْنَاهُ ، وَالنَّفَسُ بِفَتْحِ الْفَاءِ مُشْعِرٌ بِالنَّوْمِ ، وَالْعَلِيلُ إِذَا نَامَ أَشْعَرَ بِزَوَالِ مَرَضِهِ أَوْ خِفَّتِهِ ، وَأَرَادَتْ هِيَ أَنَّهُ انْقَطَعَ بِالْكُلِّيَّةِ بِالْمَوْتِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهَا : وَأَرْجُو أَنَّهُ اسْتَرَاحَ ، فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ اسْتَرَاحَ مِنَ الْمَرَضِ بِالْعَافِيَةِ ، وَمُرَادُهَا أَنَّهُ اسْتَرَاحَ مِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا وَأَلَمِ الْمَرَضِ ، فَهِيَ صَادِقَةٌ بِاعْتِبَارِ مُرَادِهَا ، وَخَبَرُهَا بِذَلِكَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْأَمْرِ الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو طَلْحَةَ ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرَّاوِي : ظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ ؛ أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا فَهِمَ هُوَ .