بَاب زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ : فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ تتَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ ) : أَيْ أَنَّ الزِّنَا لَا يَخْتَصُّ إِطْلَاقُهُ بِالْفَرْجِ ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ نَظَرٍ وَغَيْرِهِ .
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنْ رُؤْيَةِ مَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِتَظْهَرَ مُنَاسَبَتُهُ الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَفِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ .
قَوْلُهُ : ( لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ) هَكَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَسَاقَهُ مَرْفُوعًا بِتَمَامِهِ ، وَكَذَا صَنَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ سِيَاقَهُمَا سَوَاءٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَفْظُهُ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ اللَّمَمِ ، فَقَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا . فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ سُفْيَانَ مَوْقُوفَةٌ وَرِوَايَةَ مَعْمَرٍ مَرْفُوعَةٌ ، وَمَحْمُودٌ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وَعَلَّقَهُ فِيهِ لِوَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ بَيْنَ طَاوُسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ؛ فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْقَدَرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : سمي النَّظَرُ وَالنُّطْقُ زِنًا لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيِّ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اسْتَدَلَّ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ : وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ عَلَى أَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا قَالَ : زَنَتْ يَدُكَ ، لَا يُحَدُّ .
وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ : يُحَدُّ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، وَاحْتَجَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ تُضَافُ لِلْأَيْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَقَوْلُهُ : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْآيَتَيْنِ جِنَايَةَ الْأَيْدِي فَقَطْ بَلْ جَمِيعُ الْجِنَايَاتِ اتِّفَاقًا ، فَكَأَنَّهُ إِذَا قَالَ : زَنَتْ يَدُكَ ، وَصَفَ ذَاتَهُ بِالزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَبَعَّضُ ، اهـ . وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا .