بَاب كَيْفَ الرَدُّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بالسَّلَامُ
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ . حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَعْنِي جَدَّهُ بِلَفْظِ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ .
كَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ أَتَمَّ مِنْهُ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ : إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا : إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : قُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ : مَرَّ يَهُودِيٌّ فَقَالَ : السَّامُ عَلَيْكُمْ ، فَرَدَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : قَالَ : السَّامُ عَلَيْكُمْ . فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ ، فَقَالَ : رُدُّوا عَلَيْهِ .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ نَحْوَ رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : رُدُّوهُ ، فَرَدُّوهُ ، فَقَالَ : أَقُلْتَ : السَّامُ عَلَيْكُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . وَتَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ ، وَسَيَأْتِي فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ : سَمِعْتَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : مَرَّ يَهُودِيٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : السَّامُ عَلَيْكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَعَلَيْكَ ، ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَاذَا يَقُولُ ؟ قَالَ : السَّامُ عَلَيْكَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ ؟ قَالَ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ أَنَّ الْقَائِلَ أَلَا نَقْتُلُهُ عُمَرُ .
وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، وَأَتَمُّهَا سِيَاقًا رِوَايَةُ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ ، وَكَأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَمَّا أَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ ذَلِكَ سَأَلُوا حِينَئِذٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا السُّؤَالُ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ . وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ أَنَسٍ فِي لَفْظِ الْجَوَابِ وَهُوَ : وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ وَبِصِيغَةِ الْجَمْعِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ وَكَذَا رِوَايَةُ عَائِشَةَ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ ، وَأَبِي بَصْرَةَ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قُلْتُ : هُوَ أَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . قُلْتُ : هُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، فَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ : عَنْ أَبِي بَصْرَةَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّحَاوِيُّ أَيْضًا .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْهُ مِثْلَ مَا قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ : أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَالْمَحْفُوظُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ : فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِثْبَاتِ الْوَاوِ وَإِسْقَاطِهَا فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَيِّ الرِّوَايَتَيْنِ أَرْجَحُ . فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يَقولُهَا بِالْوَاوِ لِأَنَّ فِيهَا تَشْرِيكًا ، وَبَسْطُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَزِيَادَةَ الثَّانِيَةِ عَلَيْهَا كَمَنْ قَالَ : زَيْدٌ كَاتِبٌ ، فَقُلْتُ : وَشَاعِرٌ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْوَصْفَيْنِ لِزَيْدٍ ، قَالَ : وَخَالَفَهُ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ : يَقُولُ : عَلَيْكُمُ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ يَعْنِي الْحِجَارَةَ ، وَوَهَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ لَنَا سَبُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَيُؤَيِّدُ إِنْكَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ لَمَّا سَبَّتْهُمْ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ قَالَ : يَقُولُ : عَلَاكُمُ السَّلَامُ ، بِالْأَلِفِ أَيِ ارْتَفَعَ . وَتَعَقَّبَهُ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ : عَلَيْكُمُ السَّلَامُ ؛ كَمَا يُرَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لَكِنْ لَا يَقُولُ : وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ مُطْلَقًا .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلْقَمَةَ : يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : إِنْ سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمَ الصَّالِحُونَ ، وَإِنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكُوا . وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ : لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَصْلًا ، وَعَنْ بَعْضِهِمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ . وَالرَّاجِحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَلَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زَادَوَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ فِي الْأَصَحِّ عَنْ أَنَسٍ : أُمِرْنَا أَنْ لَا نَزِيدَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى : وَعَلَيْكُمْ وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْخَطَّابِيِّ نَحْوَ مَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَقَالَ : رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ أَحْسَنُ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْوَاوِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ رَدَدْتُ مَا قُلْتُمُوهُ عَلَيْكُمْ ، وَبِالْوَاوِ يَصِيرُ الْمَعْنَى عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ لِأَنَّ الْوَاوَ حَرْفُ التَّشْرِيكِ ، انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ مَعَالِمِ السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : هَكَذَا يَرْوِيهِ عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بِحَذْفِهَا يَصِيرُ قَوْلُهُمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ ، وَبِالْوَاوِ يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ وَالدُّخُولُ فِيمَا قَالُوهُ انْتَهَى . وَقَدْ رَجَعَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْإِعْلَامِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ، لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْهَا نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : إِنَّ الدَّاعِيَ إِذَا دَعَا بِشَيْءٍ ظُلْمًا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ وَلَا يَجِدُ دُعَاؤُهُ مَحَلًّا فِي الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكُمْ ، قَالَ : وَعَلَيْكُمْ . قَالَتْ عَائِشَةُ وَغَضِبَتْ : أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَالَ : بَلَى قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَنُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ فِينَا ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا .
وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةِ مِنْ عَائِشَةَ وَجَوَابِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا مَنْ أَنْكَرَ الرِّوَايَةَ بِالْوَاوِ وَقَدْ تَجَاسَرَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ مَالِكٍ بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَهِيَ أَصْوَبُ مِنَ الَّتِي بِالْوَاوِ ، لِأَنَّهُ بِحَذْفِهَا يَرْجِعُ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ وَبِإِثْبَاتِهَا يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ انْتَهَى . وَمَا أَفْهَمَهُ مِنْ تَضْعِيفِ الرِّوَايَةِ بِالْوَاوِ وَتَخْطِئَتِهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَرْدُودٌ عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ وَإِثْبَاتَهَا ثَابِتَانِ جَائِزَانِ وَبِإِثْبَاتِهَا أَجْوَدُ وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ ، وَفِي مَعْنَاهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ قَالُوا : عَلَيْكُمُ الْمَوْتُ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ كُلُّنَا نَمُوتُ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَاوَ لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الذَّمِّ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : فِي الْعَطْفِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَأَقُولُ : عَلَيْكُمْ مَا تُرِيدُونَ بِنَا ، أَوْ مَا تَسْتَحِقُّونَ ، وَلَيْسَ هُوَ عَطْفًا عَلَى عَلَيْكُمْ فِي كَلَامِهِمْ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قِيلَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ ، وَقِيلَ : زَائِدَةٌ ، وَأَوْلَى الْأَجْوِبَةِ أَنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا ، وَحَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، عَنِ ابْنِ رُشْدٍ تَفْصِيلًا يَجْمَعُ الرِّوَايَتَيْنِ إِثْبَاتُ الْوَاوِ وَحَذْفُهَا فَقَالَ : مَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ قَالَ السَّامُ أَوِ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ فَلْيَرُدَّ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ .
فَيَجْتَمِعُ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : مَنْ فَسَّرَ السَّامَ بِالْمَوْتِ فَلَا يُبْعِدْ ثُبُوتَ الْوَاوِ وَمَنْ فَسَّرَهَا بِالسَّآمَةِ فَإِسْقَاطُهَا هُوَ الْوَجْهُ . قُلْتُ : بَلِ الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ثَابِتَةٌ وَهِيَ تُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ بِالْمَوْتِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ الثِّقَةِ .
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ بِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلْمُسْلِمِ ابْتِدَاءُ الْكَافِرِ بِالسَّلَامِ ، حَكَاهُ الْبَاجِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : لِأَنَّهُ بَيَّنَ حُكْمَ الرَّدِّ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ ، كَذَا قَالَ . وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ : لَوِ ابْتَدَأَ شَخْصًا بِالسَّلَامِ وَهُوَ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَبَانَ كَافِرًا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَرِدُّ مِنْهُ سَلَامَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لِأَنَّ الِاسْتِرْدَادَ حِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ السَّلَامَ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَهُ فَائِدَةَ وَهُوَ إِعْلَامُ الْكَافِرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ ، قُلْتُ : وَيَتَأَكَّدُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُخْشَى إِنْكَارُهُ لِذَلِكَ أَوِ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مِمَّنْ يقْتَدَي بِهِ .
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّدَّ خَاصٌّ بِالْكُفَّارِ فَلَا يُجْزِئُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَقِيلَ : إِنْ أَجَابَ بِالْوَاوِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : التَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَافٍ فِي حُصُولِ مَعْنَى السَّلَامِ لَا فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ؛ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الَّذِي بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَأَمَّا الَّذِي بِالْوَاوِ فَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، مِنْهَا فِي الطَّبَرَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ . وَلَهُ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ سَلْمَانَ : أَتَى رَجُلٌ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ . قُلْتُ : لَكِنْ لَمَّا اشْتُهِرَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلرَّدِّ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ يَنْبَغِي تَرْكُ جَوَابِ الْمُسْلِمِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي أَصْلِ الرَّدِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .