بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ
بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ 6337 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ أَبُو حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدِّثْ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ ، فَانْظُرْ السَّجْعَ مِنْ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ ؛ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ ) السَّجْعُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ ، هُوَ مُوَالَاةُ الْكَلَامِ عَلَى رَوِيٍّ وَاحِدٍ ، وَمِنْهُ سَجَعَتِ الْحَمَامَةُ إِذَا رَدَّدَتْ صَوْتَهَا قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هُوَ الْكَلَامُ الْمُقَفَّى مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ وَزْنٍ .
قَوْلُهُ : ( هَارُونُ الْمُقْرِئُ ) هُوَ ابْنُ مُوسَى النَّحْوِيُّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ . قَوْلُهُ : ( حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمْعَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ ) هَذَا إِرْشَادٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَتَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ تُمِلَّ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَالْمَلَلُ وَالسَّآمَةُ بِمَعْنًى ، وَهَذَا الْقُرْآنَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . قَوْلُهُ : ( فَلَا أُلْفَيَنَّكَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالْفَاءِ ، أَيْ : لَا أَجِدَنَّكَ ، وَالنُّونُ مُثَقَّلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ، وَهَذَا النَّهْيُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِلْمُتَكَلِّمِ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْمُخَاطَبِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا ، وَفِيهِ كَرَاهَةُ التَّحْدِيثِ عِنْدَ مَنْ لَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ قَطْعِ حَدِيثِ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي نَشْرُ الْعِلْمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ ، وَيُحَدِّثُ مَنْ يَشْتَهِي سَمَاعَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( فَتَمَلّهُمْ ) يَجُوزُ فِي مَحَلِّهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ .
قَوْلُهُ : ( وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ ) أَيْ : لَا تَقْصِدْ إِلَيْهِ ، وَلَا تَشْغَلْ فِكْرَكَ بِهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ الْمَانِعِ لِلْخُشُوعِ الْمَطْلُوبِ فِي الدُّعَاءِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمُسْتَكْرَهُ مِنْهُ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ ) أَيْ : تَرْكَ السَّجْعِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ ، فِيهِ : لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِ إِلَّا ، وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنِ الْبَزَّارِ ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ ، وَلِأَجْلِ هَذَا يَجِيءُ فِي غَايَةِ الِانْسِجَامِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجِهَادِ : اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ ، سَرِيعَ الْحِسَابِ ، هَازِمَ الْأَحْزَابِ ، وَكَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ الْحَدِيثَ ، وَكَقَوْلِهِ : أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَيْنٍ لَا تَدْمَعُ ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : الْمَكْرُوهُ مِنَ السَّجْعِ هُوَ الْمُتَكَلَّفُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الضَّرَاعَةَ وَالذِّلَّةَ ، وَإِلَّا فَفِي الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ كَلِمَاتٌ مُتَوَازِيَةٌ لَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَكَلَّفَةٍ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَإِنَّمَا كَرِهَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُشَاكَلَتِهِ كَلَامَ الْكَهَنَةِ ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ مِنْ هُذَيْلٍ . وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ : أَصْلُ السَّجْعِ الْقَصْدُ الْمُسْتَوِي ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْكَلَامِ أَمْ غَيْرِهِ .