بَاب لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ
بَاب لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ 6338 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ ، وَلَا يَقُولَنَّ : اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي ؛ فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ . 6339 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ؛ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ ) الْمُرَادُ بِالْمَسْأَلَةِ الدُّعَاءُ ، وَالضَّمِيرَانِ لِلَّهِ - تَعَالَى - ، أَوِ الْأَوَّلُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، وَالثَّانِي لِلَّهِ - تَعَالَى - جَزْمًا ، وَمُكْرِهَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ ، وَنُسِبَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ الدُّعَاءَ وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِالْعَزْمِ الْجِدُّ فِيهِ ، وَأَنْ يَجْزِمَ بِوُقُوعِ مَطْلُوبِهِ ، وَلَا يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فِي جَمِيعِ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقِيلَ : مَعْنَى الْعَزْمِ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ فِي الْإِجَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَقُولَنَّ : اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَمْثِلَةٌ ، وَرِوَايَةُ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُدْعَى بِهِ .
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لِيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ : لِيَعْزِمْ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ أَيْ : يُبَالِغْ فِي ذَلِكَ بِتَكْرَارِ الدُّعَاءِ وَالْإِلْحَاحِ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَمْرُ بِطَلَبِ الشَّيْءِ الْعَظِيمِ الْكَثِيرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ مَا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ يَتَأَتَّى إِكْرَاهُهُ عَلَى الشَّيْءِ ، فَيُخَفِّفُ الْأَمْرَ عَلَيْهِ ، وَيَعْلَمُ بِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ إِلَّا بِرِضَاهُ ، وَأَمَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلتَّعْلِيقِ فَائِدَةٌ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ فِيهِ صُورَةَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْمَطْلُوبِ وَالْمَطْلُوبِ مِنْهُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ : فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ : فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِنْ شِئْتَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَحِيلٌ لَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا شَاءَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَحَمَلَ النَّوَوِيُّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَهُوَ أَوْلَى ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلدَّاعِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ ، وَيَكُونَ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَابَةِ ، وَلَا يَقْنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو كَرِيمًا ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا الدُّعَاءَ مَا يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ - يَعْنِي مِنَ التَّقْصِيرِ - فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَابَ دُعَاءَ شَرِّ خَلْقِهِ وَهُوَ إِبْلِيسُ حِينَ قَالَ : رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُلِحَّ ، وَلَا يَقُلْ : إِنْ شِئْتَ كَالْمُسْتَثْنِي ، وَلَكِنْ دُعَاءُ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ . قُلْتُ : وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : كَالْمُسْتَثْنِي إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ لَا يُكْرَهُ ، وَهُوَ جَيِّدٌ .