بَاب الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَاب الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 6357 حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ : لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ : أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً ؟ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : فَقُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْإِطْلَاقُ يَحْتَمِلُ حُكْمَهَا وَفَضْلَهَا وَصِفَتَهَا وَمَحَلَّهَا ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الثَّالِثِ ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الثَّانِي ، أَمَّا حُكْمُهَا فَحَاصِلُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ عَشَرَةُ مَذَاهِبَ أَوَّلُهَا : قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ : إِنَّهَا مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ . ثَانِيهَا : مُقَابِلُهُ ، وَهُوَ نَقْلُ ابْنِ الْقِصَارِ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ حَصْرٍ ، لَكِنْ أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِجْزَاءُ مَرَّةً .
ثَالِثُهَا : تَجِبُ فِي الْعُمْرِ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا ، وَهِيَ مِثْلُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ : لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ حِينٍ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ ، وَسَبَقَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ . رَابِعُهَا : تَجِبُ فِي الْقُعُودِ آخِرَ الصَّلَاةِ بَيْنَ قَوْلِ التَّشَهُّدِ وَسَلَامِ التَّحَلُّلِ ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ .
خَامِسُهَا : تَجِبُ فِي التَّشَهُّدِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ . سَادِسُهَا : تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ . سَابِعُهَا : يَجِبُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ بُكَيْرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ .
ثَامِنُهَا . كُلَّمَا ذُكِرَ ، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَالْحَلِيمِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ : إِنَّهُ الْأَحْوَطُ ، وَكَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ . تَاسِعهَا : فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً ، وَلَوْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ مِرَارًا ، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ .
عَاشِرُهَا : فِي كُلِّ دُعَاءٍ ، حَكَاهُ أَيْضًا . وَأَمَّا مَحَلُّهَا فَيُؤْخَذُ مِمَّا أَوْرَدْتُهُ مِنْ بَيَانِ الْآرَاءِ فِي حُكْمِهَا ، وَسَأَذْكُرُ مَا وَرَدَ فِيهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى فَضْلِهَا ، وَأَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ أَصْلُ مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ شُعْبَةَ إِلَّا هَكَذَا غَيْرَ مَنْسُوبٍ ، وَهُوَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ فِي عَصْرِهِ ، وَهُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ ، وَوَقَعَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَغَيْرِهِ مَنْسُوبًا ، قَالُوا : عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، وَهُوَ وَالِدُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَقِيهِ الْكُوفَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ .
قَوْلُهُ : ( لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى : لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَنَقَلَ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ أَنْصَارِيٌّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَتَعَقَّبَهُ فَقَالَ : لَمْ أَجِدْهُ فِي نَسَبِ الْأَنْصَارِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ بَلَوِيٌّ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ : أَنَّهُ بَلَوِيٌّ حَالَفَ الْأَنْصَارَ ، وَعَيَّنَ الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنِ الْحَكَمِ الْمَكَانَ الَّذِي الْتَقَيَا بِهِ ، فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ : أَنَّ كَعْبًا قَالَ لَهُ ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ . قَوْلُهُ : ( أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً ) زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ جَدِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ : سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَلَيْنَا ) يَجُوزُ فِي أَنَّ الْفَتْحَ وَالْكَسْرَ ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : فِي هَذَا السِّيَاقِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ : فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : نَعَمْ ، فَقَالَ كَعْبٌ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قُلْتُ : وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ شَبَّابَةَ ، وَعَفَّانَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ أَخْرَجَهُ الْخِلَعِيُّ فِي فَوَائِدِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْمَذْكُورَةِ ، وَلَفْظُهُ : فَقُلْتُ : بَلَى ، فَأَهْدِهَا لِي ، فَقَالَ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : قُلْنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ : قُلْنَا - أَوْ قَالُوا - : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالشَّكِّ ، وَالْمُرَادُ الصَّحَابَةُ أَوْ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ ، وَوَقَعَ عِنْدَ السَّرَّاجِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بِهِ : أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ السُّؤَالَ صَدَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ لَا مِنْ جَمِيعِهِمْ ، فَفِيهِ التَّعْبِيرُ عَنِ الْبَعْضِ بِالْكُلِّ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يَكُونَ كَعْبٌ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ السُّؤَالَ مُنْفَرِدًا ، فَأَتَى بِالنُّونِ الَّتِي لِلتَّعْظِيمِ ، بَلْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَابَ بِقَوْلِهِ : قُولُوا ، فَلَوْ كَانَ السَّائِلُ وَاحِدًا لَقَالَ لَهُ قُلْ ، وَلَمْ يَقُلْ قُولُوا . انْتَهَى ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ نَفْيِ الْجَوَازِ ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَسْأَلَ الصَّحَابِيُّ الْوَاحِدُ عَنِ الْحُكْمِ ، فَيُجِيبُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ الْكُلِّ فِي الْحُكْمِ ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ : قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي ؟ كُلُّهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ ، فَحَسُنَ الْجَوَابُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِنُونِ الْعَظَمَةِ فِي خِطَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُظَنُّ بِالصَّحَابِيِّ ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَوَاضِحٌ ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ وَاحِدًا فَالْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ يُرِيدُ نَفْسَهُ وَمَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَحَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْجَمْعِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى أَنَّ الَّذِي نَفَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ ، فَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ ، عَنِ الْحَكَمِ بِلَفْظِ : قُمْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : قُلِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ وَقَفْتُ مِنْ تَعْيِينِ مَنْ بَاشَرَ السُّؤَالَ عَلَى جَمَاعَةٍ وَهُمْ : كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَالِدُ النُّعْمَانِ ، وَزَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ ، أَمَّا كَعْبٌ فَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْحَكَمِ بِهَذَا السَّنَدِ بِلَفْظِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَلِمْنَا وَأَمَّا بَشِيرٌ فَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ : أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ الْحَدِيثَ ، وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ : أَنَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَلُّوا عَلَيَّ وَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ ، وَقُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ ؟ وَمَخْرَجُ حَدِيثِهِمَا وَاحِدٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ فَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قُلْتُ : - أَوْ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا عِنْدَهُ عَلَى الشَّكِّ ، وَأَبْهَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَجْلَحِ ، وَحَمْزَةَ الزَّيَّاتِ ، عَنِ الْحَكَمِ السَّائِلَ وَلَفْظُهُ : جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَلِمْنَا وَوَقَعَ لِهَذَا السُّؤَالِ سَبَبٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْخِلَعِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ الزَّعْفَرَانِيِّ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَمِسْعَرٌ ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الْآيَةَ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الْحَدِيثَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَحْدَهُ كَذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ ، وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، وَزَائِدَةُ فَرَّقَهُمَا ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ ، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِثْلَهُ ، وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ : أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ الْآيَةَ ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ ؟ قَوْلُهُ : ( قَدْ عَلِمْنَا ) الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفًا ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَبِالشَّكِّ ، وَلَفْظُهُ : قُلْنَا : قَدْ عُلِّمْنَاهُ أَوْ عُلِّمْنَا رُوِّينَاهُ فِي الْخَلِيعَاتِ ، وَكَذَا أَخْرَجَ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بِلَفْظِ : عُلِّمْنَا أَوْ عُلِّمْنَاهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ : أَمَرْتَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ ، وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَيْكَ ، فَأَمَّا السَّلَامُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ وَفِي ضَبْطِ عَرَفْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ فِي عُلِّمْنَاهُ ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : أَمَرْتَنَا أَيْ : بَلَّغْتَنَا عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ : أَمَرَنَا اللَّهُ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْمَذْكُورَةِ : كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ ، أَيْ : عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ عَلَيْكَ عَلَى لِسَانِكَ وَبِوَاسِطَةِ بَيَانِكَ ، وَأَمَّا إِتْيَانُهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ : عَلَيْكُمْ فَقَدْ بَيَّنَ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ : أَهْلَ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّعْظِيمَ ، وَبِهَا تَحْصُلُ مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ حَيْثُ قَالَ : عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَبِهَذَا يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : فِي الْجَوَابِ زِيَادَةٌ عَلَى السُّؤَالِ ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَوَقَعَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى آلِهِ .
قَوْلُهُ : ( كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى السَّلَامِ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ قَوْلُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقولِهِمْ : فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ أَيْ : بَعْدَ التَّشَهُّدِ انْتَهَى . وَتَفْسِيرُ السَّلَامُ بِذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ احْتِمَالًا وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السَّلَامُ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ : إِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ ، وَكَذَا ذَكَرَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَرَدَّ بَعْضُهُمُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ سَلَامَ التَّحَلُّلِ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ اتِّفَاقًا كَذَا قِيلَ ، وَفِي نَقْلِ الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ ، فَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ عِنْدَ سَلَامِ التَّحَلُّلِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، ذَكَرَهُ عِيَاضٌ وَقَبْلَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ ) زَادَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ وَإِنَّمَا تَمَنَّوْا ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُعْجِبْهُ السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ ؛ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : - تَعَالَى - : لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَيَانُ ذَلِكَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَسَكَتَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ فَقَالَ : تَقُولُونَ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقولِهِمْ : كَيْفَ فَقِيلَ : الْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنْ مَعْنَى الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا بِأَيِّ لَفْظٍ يُؤَدَّى ، وَقِيلَ عَنْ صِفَتِهَا ، قَالَ عِيَاضٌ : لَمَّا كَانَ لَفْظُ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : صَلُّوا عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ الرَّحْمَةَ وَالدُّعَاءَ وَالتَّعْظِيمَ سَأَلُوا : بِأَيِّ لَفْظٍ تُؤَدَّى ؟ هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ ، وَرَجَّحَ الْبَاجِيُّ أَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ صِفَتِهَا لَا عَنْ جِنْسِهَا ، وَهُوَ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ : كَيْفَ ظَاهِرٌ فِي الصِّفَةِ ، وَأَمَّا الْجِنْسُ فَيُسْأَلُ عَنْهُ بِلَفْظِ : مَا وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ ، فَقَالَ : هَذَا سُؤَالُ مَنْ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ مَا فُهِمَ أَصْلُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ ، فَسَأَلُوا عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهَا لِيَسْتَعْمِلُوهَا .
انْتَهَى . وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السَّلَامَ لَمَّا تَقَدَّمَ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ ، وَهُوَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ أَيْضًا تَقَعُ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ ، وَعَدَلُوا عَنِ الْقِيَاسِ ؛ لِإِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى النَّصِّ وَلَا سِيَّمَا فِي أَلْفَاظِ الْأَذْكَارِ فَإِنَّهَا تَجِيءُ خَارِجَةً عَنِ الْقِيَاسِ غَالِبًا ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا فَهِمُوا ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ قُولُوا : الصَّلَاةُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، وَلَا قُولُوا : الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ ، إِلَخْ ، بَلْ عَلَّمَهُمْ صِيغَةً أُخْرَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ ) هَذِهِ كَلِمَةٌ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الدُّعَاءِ ، وَهُوَ بِمَعْنَى : يَا اللَّهُ ، وَالْمِيمُ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ ، فَلَا يُقَالُ : اللَّهُمَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَثَلًا ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي ، وَلَا يَدْخُلُهَا حَرْفُ النِّدَاءِ إِلَّا فِي نَادِرٍ ، كَقَوْلِ الرَّاجِزِ : إِنِّي إِذَا مَا حَادِثٌ أَلَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا وَاخْتُصَّ هَذَا الِاسْمُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ النِّدَاءِ ، وَوُجُوبِ تَفْخِيمِ لَامِهِ ، وَبِدُخُولِ حَرْفِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ مَعَ التَّعْرِيفِ ، وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّ أَصْلَهُ : يَا اللَّهُ وَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ تَخْفِيفًا وَالْمِيمُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِثْلُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ ، وَقِيلَ : بَلْ زَائِدَةٌ كَمَا فِي زُرْقُمٍ لِلشَّدِيدِ الزُّرْقَةِ ، وَزِيدَتْ فِي الِاسْمِ الْعَظِيمِ تَفْخِيمًا ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ كَالْوَاوِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجَمْعِ ، كَأَنَّ الدَّاعِيَ قَالَ : يَا مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ، وَلِذَلِكَ شُدِّدَتِ الْمِيمُ ؛ لِتَكُونَ عِوَضًا عَنْ عَلَامَةِ الْجَمْعِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : اللَّهُمَّ : مُجْتَمَعُ الدُّعَاءِ ، وَعَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ : مَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ ، فَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ .
قَوْلُهُ : ( صَلِّ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ مَعْنَى صَلَاةِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ ، وَمَعْنَى صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ لَهُ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ : صَلَاةُ اللَّهِ مَغْفِرَتُهُ ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى صَلَاةِ الرَّبِّ : الرَّحْمَةُ ، وَصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ : الِاسْتِغْفَارُ ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ : صَلَاةُ اللَّهِ : رَحْمَتُهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : مَغْفِرَتُهُ ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ : الدُّعَاءُ ، أَخْرَجَهُمَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْهُ ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ الدُّعَاءَ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِهَا ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ : الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ : الرَّحْمَةُ ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ : رِقَّةٌ تَبْعَثُ عَلَى اسْتِدْعَاءِ الرَّحْمَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اللَّهَ غَايَرَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَكَذَلِكَ فَهِمَ الصَّحَابَةُ الْمُغَايَرَةَ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا حَتَّى سَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ فِي تَعْلِيمِ السَّلَامِ ، حَيْثُ جَاءَ بِلَفْظِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ لَقَالَ لَهُمْ : قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فِي السَّلَامِ ، وَجَوَّزَ الْحَلِيمِيُّ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ مَعْنَى صَلَاةِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ : ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمُهُ ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِ : طَلَبُ ذَلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَالْمُرَادُ طَلَبُ الزِّيَادَةِ لَا طَلَبُ أَصْلِ الصَّلَاةِ ، وَقِيلَ : صَلَاةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ تَكُونُ خَاصَّةً ، وَتَكُونُ عَامَّةً ؛ فَصَلَاتُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ هِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ ، وَصَلَاتُهُ عَلَى غَيْرِهِمُ الرَّحْمَةُ ، فَهِيَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَكْرٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ : الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ اللَّهِ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ ، وَعَلَى مَنْ دُونِ النَّبِيِّ رَحْمَةٌ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ أَرْفَعُ مِمَّا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّنْوِيهُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي الشُّعَبِ : مَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْظِيمُهُ ، فَمَعْنَى قَوْلِنَا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ : عَظِّمْ مُحَمَّدًا .
وَالْمُرَادُ تَعْظِيمُهُ فِي الدُّنْيَا بِإِعْلَاءِ ذِكْرِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَإِبْقَاءِ شَرِيعَتِهِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِإِجْزَالِ مَثُوبَتِهِ وَتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ وَإِبْدَاءِ فَضِيلَتِهِ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : صَلُّوا عَلَيْهِ ادْعُوا رَبَّكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، انْتَهَى ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ عَطْفُ آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالتَّعْظِيمِ إِذْ تَعْظِيمُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَظْهَرُ ؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مَلَائِكَتِهِ وَإِلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّرَحُّمِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِنَا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا ، أَوْ تَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، لَجَازَ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ ، وَكَذَا الرَّحْمَةُ لَسَقَطَ الْوُجُوبُ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهُ بِقَوْلِ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، وَيُمْكِنُ الِانْفِصَالُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِطَرِيقِ التَّعَبُّدِ ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَلَوْ سَبَقَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ) كَذَا وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي قَوْلِهِ : صَلِّ وَفِي قَوْلِهِ : وَبَارِكْ وَلَكِنْ وَقَعَ فِي الثَّانِي : وَبَارِكْ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ آدَمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَقُلْ : عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَخَذَ الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ هَذَا أَنَّ ذِكْرَ الْآلِ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ مُقْحَمٌ ، كَقَوْلِهِ : عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى . قُلْتُ : وَالْحَقُّ أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَذِكْرَ آلِ مُحَمَّدٍ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ثَابِتٌ فِي أَصْلِ الْخَبَرِ ، وَإِنَّمَا حَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، وَسَأُبَيِّنُ مَنْ سَاقَهُ تَامًّا بَعْدَ قَلِيلٍ ، وَشَرَحَ الطِّيبِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هُنَا فَقَالَ : هَذَا اللَّفْظُ يُسَاعِدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ : عَلِمْنَا كَيْفَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيْ : فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ أَيْ عَلَى أَهْلِ بَيْتكَ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ قَدْ عُرِفَتْ مَعَ السَّلَامِ مِنَ الْآيَةِ ، قَالَ : فَكَانَ السُّؤَالُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ تَشْرِيفًا لَهُمْ ، وَقَدْ ذُكِرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَوَابِ لِقولِهِ - تَعَالَى - لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَفَائِدَتُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ إِبْرَاهِيمَ ؛ لِيُنَبِّهَ عَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ ، وَلَوْ ذُكِرَ لَمْ يُفْهَمْ أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّمْهِيدِ ، انْتَهَى .
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ مَا قَالَ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ : عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ : عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَذْكُرْ آلَ مُحَمَّدٍ وَلَا آلَ إِبْرَاهِيمَ ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى مَا قُلْتُهُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، وَالْأَظْهَرُ فَسَادُ مَا بَحَثَهُ الطِّيبِيُّ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ : عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآلَ فِي الصَّحِيحِ ، وَوَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذُرِّيَّتِهِ ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي السَّنَدِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ شَيْخِ شَيْخِ النَّسَائِيِّ فِيهِ ، فَرَوَيَاهُ مَعًا عَنْ حِبَّانَ بْنِ يَسَارٍ - وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَأَبُوهُ بِمُثَنَّاةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ - فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى عَنْهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَرِوَايَةُ مُوسَى أَرْجَحُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِحِبَّانَ فِيهِ سَنَدَانِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ وَحْدَهُ فِي آخِرِهِ : فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ السَّرَّاجِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَزْوَاجِهِ ، وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ مِثْلَهُ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : فِي الْعَالَمِينَ وَقَالَ فِي الْأَذْكَارِ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ : مُحَمَّدٍ فِي مَحَلٍّ وَلَمْ يَزِدْهَا فِي بَارِكْ ، وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَ الْفَتَاوَى مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ فِي وَبَارِكْ ، وَفَاتَهُ أَشْيَاءُ لَعَلَّهَا تُوَازِي قَدْرَ مَا زَادَهُ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ ؛ مِنْهَا قَوْلُهُ : أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَزْوَاجِهِ ، وَمِنْهَا : وَأَهْلِ بَيْتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَذُرِّيَّتِهِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَمِنْهَا : وَرَسُولِكَ فِي : وَبَارِكْ وَمِنْهَا : فِي الْعَالَمِينَ فِي الْأَوَّلِ ، وَمِنْهَا : إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ قَبْلَ : وَبَارِكْ وَمِنْهَا : اللَّهُمَّ قَبْلَ : وَبَارِكْ فَإِنَّهُمَا ثَبَتَا مَعًا فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ ، وَمِنْهَا : وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، إِلَخْ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهَا بَعْدُ ، وَمِنْهَا فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ : وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ ، وَهِيَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْحَكَمِ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ ، قَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَنَحْنُ نَقُولُ : وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ ، وَتَعَقَّبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قَالَ : هَذَا شَيْءٌ انْفَرَدَ بِهِ زَائِدَةُ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُمْ أُمَّتُهُ ، فَلَا يَبْقَى لِلتَّكْرَارِ فَائِدَةٌ ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَلَا نَرَى أَنْ نُشْرِكَ فِي هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَحَدًا ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ زَائِدَةَ مِنَ الْأَثْبَاتِ فَانْفِرَادُهُ لَوِ انْفَرَدَ لَا يَضُرُّ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَنْفَرِدْ ، فَقَدْ أَخْرَجَهَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ فَضْلِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَيَزِيدُ اسْتَشْهَدَ بِهِ مُسْلِمٌ ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَفِي آخِرِهِ : وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ ، وَأَمَّا الْإِيرَادُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَرَى أَنَّ مَعْنَى الْآلِ كُلُّ الْأُمَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْطِفَ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ ، وَلَا سِيَّمَا فِي الدُّعَاءِ ، وَأَمَّا الْإِيرَادُ الثَّانِي فَلَا نَعْلَمُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ تَبَعًا ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ اسْتِقْلَالًا ، وَقَدْ شُرِعَ الدُّعَاءُ لِلْآحَادِ بِمَا دَعَاهُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ فِي حَدِيثِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَحَدِيثُ جَابِرٍ ضَعِيفٌ وَرِوَايَةُ يَزِيدَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْهُ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَ يَزِيدُ : فَلَا أَدْرِي أَشَيْءٌ زَادَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، أَوْ رَوَاهُ عَنْ كَعْبٍ .
وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، وَوَرَدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بِلَفْظِ : يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ - إِلَى قَوْلِهِ : - وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَصَلِّ عَلَيْنَا مَعَهُمْ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ - مِثْلَهُ ، وَفِي آخِرِهِ : - وَبَارِكْ عَلَيْنَا مَعَهُمْ وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ ، لَكِنَّهُ فِيمَا أَحْسَبُ مُدْرَجٌ ؛ لِمَا بَيَّنَهُ زَائِدَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ . ثَانِيهِمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ ، لَكِنْ قَالَ : اللَّهُمَّ بَدَلَ الْوَاوِ فِي : وَصَلِّ وَفِي : وَبَارِكْ ، وَفِيهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ تَعَقَّبَ الْإِسْنَوِيُّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ مَعَ اخْتِلَافِ كَلَامِهِ ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ : لَمْ يَسْبِقْ إِلَى مَا قَالَ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ تَشَهَّدَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْمَلِ الرِّوَايَاتِ وَيَقُولَ كُلَّ مَا ثَبَتَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً ، وَأَمَّا التَّلْفِيقُ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إِحْدَاثَ صِفَةٍ فِي التَّشَهُّدِ لَمْ تَرِدْ مَجْمُوعَةً فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، انْتَهَى .
وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ لَمْ تَرِدْ مَجْمُوعَةً فِي طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْتَعْمَلَ كُلُّ لَفْظٍ ثَبَتَ عَلَى حِدَةٍ ، فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ مَا وَرَدَ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ الْجَمِيعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْهُ كَذَلِكَ ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا كَانَ يَلْزَمُ الشَّيْخَ أَنْ يَجْمَعَ الْأَلْفَاظَ الْوَارِدَةَ فِي التَّشَهُّدِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَلْتَزِمَهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَيْضًا : قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ وَنَحْوِهِ ، كَالِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَاتِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِاسْتِحْبَابِ التِّلَاوَةِ بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ فِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَجَازَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّعْلِيمِ لِلتَّمْرِينِ ، انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّفْظَ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ سَوَاءٌ كَمَا فِي أَزْوَاجِهِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ يَسْتَقِلُّ بِزِيَادَةِ مَعْنًى لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ الْبَتَّةَ ، فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِهِ ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ كَانَ يَزِيدُ عَلَى الْآخَرِ فِي الْمَعْنَى شَيْئًا مَا فَلَا بَأْسَ بِالْإِتْيَانِ بِهِ احْتِيَاطًا ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الطَّبَرِيُّ : إِنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْمُبَاحُ ، فَأَيُّ لَفْظٍ ذَكَرَهُ الْمَرْءُ أَجْزَأَ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ أَكْمَلَهُ وَأَبْلَغَهُ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّقْلِ عَنِ الصَّحَابَةِ ، فَذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ طَوِيلٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، والطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ فَارِسٍ ، وَأَوَّلُهُ .
اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ إِلَى أَنْ قَالَ . اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ ، وَرَأْفَةَ تَحِيَّتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْحَدِيثَ ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَادَّعَى ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ بَلْ كُلُّهَا مُصَرِّحَةٌ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَبِذِكْرِ آلِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ ، أَوْ بِذَكَرِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ ، قَالَ : وَلَمْ يَجِئْ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ مَعًا ، إِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ السَّبَّاقِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَيَحْيَى مَجْهُولٌ وَشَيْخُهُ مُبْهَمٌ ، فَهُوَ سَنَدٌ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوِيٍّ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ . قُلْتُ : وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ : كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ : : كَمَا بَارَكْتَ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بَلْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ : عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبِلَفْظِ : عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ ، عَنِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا سَأَذْكُرُهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ : وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَاغْتَرَّ بِتَصْحِيحِهِ قَوْمٌ فَوَهِمُوا ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ السَّبَّاقِ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ رَجُلٍ مُبْهَمٍ ، نَعَمْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ : قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْحَدِيثَ ، وَبَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : حَذَارِ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنْ زِيَادَةِ : وَتَرَحَّمْ ؛ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ ، فَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَيْهِ ، انْتَهَى .
وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صِفَةِ التَّشَهُّدِ فِي الرِّسَالَةِ لَمَّا ذَكَرَ مَا يُسْتَحَبُّ فِي التَّشَهُّدِ ، وَمِنْهُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، فَزَادَ : وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدِ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ إِلَخْ ، فَإِنْ كَانَ إِنْكَارُهُ ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحَّ ، فَمُسَلَّمٌ ، وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ : ارْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَةٌ ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَصَحُّهَا فِي التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ وَجَدْتُ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ مُسْتَنَدًا ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : مَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، شَهِدْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَشَفَعْتُ لَهُ وَرِجَالُ سَنَدِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مَجْهُولٌ . ( تَنْبِيه ) : هَذَا كُلُّهُ فِيمَا يُقَالُ مَضْمُومًا إِلَى السَّلَامِ أَوِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ الْعَرَبِيِّ ، الصَّيْدَلَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ شَارِحُ الْإِرْشَادِ : يَجُوزُ ذَلِكَ مُضَافًا إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَجُوزُ مُفْرَدًا ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنِ الْجُمْهُورِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : إِنَّهُ الصَّحِيحُ ؛ لِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ بِهِ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَفِي الذَّخِيرَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ ذَلِكَ ؛ لِإِيهَامِهِ النَّقْصَ ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ غَالِبًا إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ فِعْلِ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ ، وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَنْعِهِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَلَمْ يَقُلْ : مَنْ تَرَحَّمَ عَلَيَّ ، وَلَا مَنْ دَعَا لِي ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الصَّلَاةِ الرَّحْمَةَ ، وَلَكِنَّهُ خُصَّ هَذَا اللَّفْظُ تَعْظِيمًا لَهُ ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا انْتَهَى . وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ ، لَكِنْ فِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ ، وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ) قِيلَ : أَصْلُ آلِ أَهْلٌ قُلِبَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً ، ثُمَّ سُهِّلَتْ ، وَلِهَذَا إِذَا صُغِّرَ رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ ، فَقَالُوا : أُهَيْلٌ ، وَقِيلَ : بَلْ أَصْلُهُ أَوَلَ مِنْ آلَ إِذَا رَجَعَ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ مَنْ يَئُولُ إِلَى الشَّخْصِ وَيُضَافُ إِلَيْهِ ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى مُعَظَّمٍ ، فَيُقَالُ : آلُ الْقَاضِي ، وَلَا يُقَالُ : آلُ الْحَجَّامِ ، بِخِلَافِ أَهْلِ ، وَلَا يُضَافُ آلُ أَيْضًا غَالِبًا إِلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ وَلَا إِلَى الْمُضْمَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ بِقِلَّةٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي شِعْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ مِنْ أَبْيَاتٍ : وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِ يبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ . وَقَدْ يُطْلَقُ آلُ فُلَانٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ جَمِيعًا ، وَضَابِطُهُ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ فَعَلَ آلُ فُلَانٍ كَذَا دَخَلَ هُوَ فِيهِمْ إِلَّا بِقَرِينَةٍ ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَإِنْ ذُكِرَا مَعًا فَلَا ، وَهُوَ كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ ، وَكَذَا الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ ، وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِمَا مَعًا ، وَفِي إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا كَانَ أَوْلَى الْمَحَامِلِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ كُلَّهَ ، وَيَكُونُ بَعْضُ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، وَأَمَّا التَّعَدُّدُ فَبَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الطُّرُقِ تُصَرِّحُ بِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِمْ : كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ بِدُونِ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى بِنَاءً عَلَى دُخُولِ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : آلِ إِبْرَاهِيمَ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِآلِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُمْ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَهَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ الْجُمْهُورُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ : إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : الْمُرَادُ بِآلِ مُحَمَّدٍ فِي حَدِيثِ التَّشَهُّدِ أَهْلُ بَيْتِهِ ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : أَهْلٌ ، عِوَضَ آلٍ ؟ رِوَايَتَانِ عِنْدَهُمْ .
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِآلِ مُحَمَّدٍ : أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ جَاءَ بِلَفْظِ : وَآلِ مُحَمَّدٍ وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ مَوْضِعُهُ : وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآلِ الْأَزْوَاجُ وَالذُّرِّيَّةُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرُهُ ، فَالْمُرَادُ بِالْآلِ فِي التَّشَهُّدِ : الْأَزْوَاجُ ، وَمِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِمُ الذُّرِّيَّةُ ، فَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آلَ مُحَمَّدٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزٍ مَأْدُومٍ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ ، وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا . وَكَأَنَّ الْأَزْوَاجَ أُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ تَنْوِيهًا بِهِمْ وَكَذَا الذُّرِّيَّةُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْآلِ ذُرِّيَّةُ فَاطِمَةَ خَاصَّةً ، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقِيلَ : هُمْ جَمِيعُ قُرَيْشٍ ، حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْآلِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : مَالَ إِلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيٌّ وَحَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَالرَّاغِبُ بِالْأَتْقِيَاءِ مِنْهُمْ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَقَوْلُهُ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنْكُمُ الْمُتَّقُونَ وَفِي نَوَادِرِ أَبِي الْعَيْنَاءِ إِنَّهُ غَضَّ مِنْ بَعْضِ الْهَاشِمِيِّينَ فَقَالَ لَهُ : أَتَغُضُّ مِنِّي وَأَنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ؟ فِي قَوْلِكَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، وَلَسْتَ مِنْهُمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الرَّحْمَةُ الْمُطْلَقَةُ ، فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيدٍ ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ : آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَلَكِنْ سَنَدَهُ وَاهٍ جِدًّا ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ مِنْ قَوْلِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ . قَوْلُهُ : ( كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ) اشْتَهَرَ السُّؤَالُ عَنْ مَوْقِعِ التَّشْبِيهِ مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ ، وَالْوَاقِعُ هُنَا عَكْسُهُ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَمِنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَا سِيَّمَا قَدْ أُضِيفَ إِلَيْهِ آلُ مُحَمَّدٍ ، وَقَضِيَّةُ كَوْنِهِ أَفْضَلَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ الْمَطْلُوبَةُ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ حَصَلَتْ أَوْ تَحْصُلُ لِغَيْرِهِ ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ .
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ ، قَالَ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ سَأَلَ لِنَفْسِهِ التَّسْوِيَةَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَمَرَ أُمَّتَهُ أَنْ يَسْأَلُوا لَهُ ذَلِكَ ، فَزَادَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِغَيْرِ سُؤَالٍ أَنْ فَضَّلَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَغَيَّرَ صِفَةَ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ . الثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا ، وَشَرَعَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ ؛ لِيَكْتَسِبُوا بِذَلِكَ الْفَضِيلَةَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ التَّشْبِيهَ إِنَّمَا هُوَ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ لَا لِلْقَدْرِ بِالْقَدْرِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَقَوْلُهُ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَحْسِنْ إِلَى وَلَدِكَ كَمَا أَحْسَنْتَ إِلَى فُلَانٍ ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ أَصْلَ الْإِحْسَانِ لَا قَدْرَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَرَجَّحَ هَذَا الْجَوَابَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ . الرَّابِعُ : أَنَّ الْكَافَ لِلتَّعْلِيلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْكَافُ عَلَى بَابِهَا مِنَ التَّشْبِيهِ ، ثُمَّ عُدِلَ عَنْهُ لِلْإِعْلَامِ بِخُصُوصِيَّةِ الْمَطْلُوبِ . الْخَامِسُ : أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيلًا كَمَا جَعَلَ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ كَمَا جَعَلَ لِإِبْرَاهِيمَ ، مُضَافًا إِلَى مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَقَرَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مِثْلُ رَجُلَيْنِ يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا أَلْفًا وَيَمْلِكُ الْآخَرُ أَلْفَيْنِ ، فَسَأَلَ صَاحِبُ الْأَلْفَيْنِ أَنْ يُعْطَى أَلْفًا أُخْرَى نَظِيرَ الَّذِي أُعْطِيَهَا الْأَوَّلُ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ لِلثَّانِي أَضْعَافَ مَا لِلْأَوَّلِ .
السَّادِسُ : أَنَّ قَوْلَهُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ مَقْطُوعٌ عَنِ التَّشْبِيهِ فَسَيَكُونُ التَّشْبِيهُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ : وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَاوُوا الْأَنْبِيَاءَ فَكَيْفَ تُطْلَبُ لَهُمْ صَلَاةٌ مِثْلُ الصَّلَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِإِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْ آلِهِ ؟ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الثَّوَابُ الْحَاصِلُ لَهُمْ لَا جَمِيعُ الصِّفَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ ، وَقَدْ نَقَلَ الْعِمْرَانِيُّ فِي الْبَيَانِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ نَقَلَ هَذَا الْجَوَابَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ صِحَّةَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ فَصَاحَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ لَا يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ هَذَا التَّرْكِيبَ الرَّكِيكَ الْمَعِيبَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، كَذَا قَالَ ، وَلَيْسَ التَّرْكِيبُ الْمَذْكُورُ بِرَكِيكٍ ، بَلِ التَّقْدِيرُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَصَلِّ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ إِلَى آخِرِهِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ التَّشْبِيهِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ . السَّابِعُ : أَنَّ التَّشْبِيهَ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ ؛ فَإِنَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ كَثْرَةٌ ، فَإِذَا قُوبِلَتْ تِلْكَ الذَّوَاتُ الْكَثِيرَةُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ بِالصِّفَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لِمُحَمَّدٍ أَمْكَنَ انْتِفَاءُ التَّفَاضُلِ . قُلْتُ : وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ مُقَابَلَةُ الِاسْمِ فَقَطْ بِالِاسْمِ فَقَطْ ، وَلَفْظُهُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ .
الثَّامِنُ : أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَحْصُلُ لِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ مِنْ صَلَاةِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِ صَلَاةِ الْمُصَلِّينَ مِنْ أَوَّلِ التَّعْلِيمِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ أَضْعَافُ مَا كَانَ لِآلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَبَّرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ : الْمُرَادُ دَوَامُ ذَلِكَ وَاسْتِمْرَارُهُ . التَّاسِعُ : أَنَّ التَّشْبِيهَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُصَلِّي فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ أَعْطِنِي ثَوَابًا عَلَى صَلَاتِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِثْلُ ثَوَابِ الْمُصَلِّي عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ . الْعَاشِرُ : دَفْعُ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا ، وَهِيَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَرْفَعَ مِنَ الْمُشَبَّهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُطَّرِدًا ، بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِالْمِثْلِ ، بَلْ وَبِالدُّونِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ وَأَيْنَ يَقَعُ نُورُ الْمِشْكَاةِ مِنْ نُورِهِ - تَعَالَى - ؟ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا ظَاهِرًا وَاضِحًا لِلسَّامِعِ حَسُنَ تَشْبِيهُ النُّورِ بِالْمِشْكَاةِ ، وَكَذَا هُنَا ، لَمَّا كَانَ تَعْظِيمُ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مَشْهُورًا وَاضِحًا عِنْدَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ ، حَسُنَ أَنْ يُطْلَبَ لِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا حَصَلَ لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ خَتْمُ الطَّلَبِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ : فِي الْعَالَمِينَ أَيْ : كَمَا أَظْهَرْتَ الصَّلَاةَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ ، وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ : فِي الْعَالَمِينَ إِلَّا فِي ذِكْرِ آلِ إِبْرَاهِيمَ ، دُونَ ذِكْرِ آلِ مُحَمَّدٍ ، عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا ، وَعَبَّرَ الطِّيبِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ التَّشْبِيهُ الْمَذْكُورُ مِنْ بَابِ إِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ ، بَلْ مِنْ بَابِ إِلْحَاقِ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِمَا اشْتَهَرَ .
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : سَبَبُ هَذَا التَّشْبِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ فِي بَيْتٍ إِبْرَاهِيمَ : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَجِبْ دُعَاءَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ فِي مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا أَجَبْتَهَا عِنْدَمَا قَالُوهَا فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ ، وَلِذَلِكَ خَتَمَ بِمَا خُتِمَتْ بِهِ الْآيَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ : أَحْسَنُهَا مَا نُسِبَ إِلَى الشَّافِعِيِّ ، وَالتَّشْبِيهُ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ ، أَوْ لِلْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ زَيَّفَ أَكْثَرَ الْأَجْوِبَةِ إِلَّا تَشْبِيهَ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ : وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾قَالَ : مُحَمَّدٌ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ ، فَكَأَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ خُصُوصًا بِقَدْرِ مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ عُمُومًا ، فَيَحْصُلُ لِآلِهِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَيَبْقَى الْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ أَزْيَدُ مِمَّا لِغَيْرِهِ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ قَطْعًا ، وَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ فَائِدَةُ التَّشْبِيهِ ، وَأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ ، وَوَجَدْتُ فِي مُصَنَّفٍ لِشَيْخِنَا مَجْدِ الدِّينِ الشِّيرَازِيِّ اللُّغَوِيِّ جَوَابًا آخَرَ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكَشْفِ حَاصِلُهُ أَنَّ التَّشْبِيهَ لِغَيْرِ اللَّفْظِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لَا لِعَيْنِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِنَا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ اجْعَلْ مِنْ أَتْبَاعِهِ مَنْ يَبْلُغُ النِّهَايَةَ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَالْعُلَمَاءِ بِشَرْعِهِ بِتَقْرِيرِهِمْ أَمْرَ الشَّرِيعَةِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ جَعَلْتَ فِي أَتْبَاعِهِ أَنْبِيَاءَ يُقَرِّرُونَ الشَّرِيعَةَ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ اجْعَلْ مِنْ أَتْبَاعِهِ نَاسًا مُحَدَّثِينَ - بِالْفَتْحِ - يُخْبِرُونَ بِالْمُغَيَّبَاتِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ جَعَلْتَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءَ يُخْبِرُونَ بِالْمُغَيَّبَاتِ ، وَالْمَطْلُوبُ حُصُولُ صِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَهُمْ أَتْبَاعُهُ فِي الدِّينِ ، كَمَا كَانَتْ حَاصِلَةً بِسُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ ، وَهَذَا مُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ ، وَهُوَ جَيِّدٌ إِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ هُنَا مَا ادَّعَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَفِي نَحْوِ هَذِهِ الدَّعْوَى جَوَابٌ آخَرُ الْمُرَادُ : اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ دُعَاءَ مُحَمَّدٍ فِي أُمَّتِهِ ، كَمَا اسْتَجَبْتَ دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ فِي بَنِيهِ ، وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا عَطْفُ الْآلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ) هُمْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ مِنْ غَيْرِ سَارَةَ وَهَاجَرَ ، فَهُمْ دَاخِلُونَ لَا مَحَالَةَ ، ثُمَّ إِنَّ الْمُرَادَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ بَلِ الْمُتَّقُونَ ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ .
قَوْلُهُ : ( وَبَارِكْ ) الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ هُنَا الزِّيَادَةُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ التَّطْهِيرُ مِنَ الْعُيُوبِ وَالتَّزْكِيَةِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ وَاسْتِمْرَارُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : بَرَكَتِ الْإِبِلُ ، أَيْ : ثَبَتَتْ عَلَى الْأَرْضِ ، وَبِهِ سُمِّيَتْ بِرْكَةُ الْمَاءِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ ؛ لِإِقَامَةِ الْمَاءِ فِيهَا ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ يُعْطَوْا مِنَ الْخَيْرِ أَوْفَاهُ ، وَأَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ وَيَسْتَمِرَّ دَائِمًا ، وَالْمُرَادُ بِالْعَالَمِينَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ أَصْنَافُ الْخَلْقِ ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخْرَى ، قِيلَ : مَا حَوَاهُ بَطْنُ الْفُلْكِ ، وَقِيلَ : كُلُّ مُحْدَثٍ ، وَقِيلَ : مَا فِيهِ رُوحٌ ، وَقِيلَ بِقَيْدِ الْعُقَلَاءِ ، وَقِيلَ : الْإِنْسُ وَالْجِنُّ فَقَطْ . قَوْلُهُ : ( إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) أَمَّا الْحَمِيدُ فَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ الْحَمْدِ بِمَعْنَى مَحْمُودٍ ، وَأَبْلَغُ مِنْهُ ، وَهُوَ مَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْحَمْدِ أَكْمَلُهَا ، وَقِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى الْحَامِدِ ، أَيْ : يَحْمَدُ أَفْعَالَ عِبَادِهِ ، وَأَمَّا الْمَجِيدُ فَهُوَ مِنَ الْمَجْدِ ، وَهُوَ صِفَةُ مَنْ كَمُلَ فِي الشَّرَفِ ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ ، كَمَا أَنَّ الْحَمْدَ يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ الْإِكْرَامِ ، وَمُنَاسَبَةُ خَتْمِ هَذَا الدُّعَاءِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ ، أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَكْرِيمُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَالتَّنْوِيهُ بِهِ وَزِيَادَةُ تَقْرِيبِهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ الْحَمْدِ وَالْمَجْدِ ، فَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمَا كَالتَّعْلِيلِ لِلْمَطْلُوبِ أَوْ هُوَ كَالتَّذْيِيلِ لَهُ ، وَالْمَعْنَى إِنَّكَ فَاعِلٌ مَا تَسْتَوْجِبُ بِهِ الْحَمْدَ مِنَ النِّعَمِ الْمُتَرَادِفَةِ ، كَرِيمٌ بِكَثْرَةِ الْإِحْسَانِ إِلَى جَمِيعِ عِبَادِكَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ صَلَاةٍ ؛ لِمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ بِلَفْظِ : فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا ؟ وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ بِأَنَّهُ قَالَ فِي بَابِ تَحْرِيمِ قَتْلِ مَا لَهُ رُوحٌ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ : الْحُفَّاظُ يَتَوَقَّوْنَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ ، قُلْتُ : وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مُتَّجَهٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، لَكِنْ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ فَهُوَ فِي دَرَجَةِ الْحَسَنِ إِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُصَحِّحُ لَهُ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ ، وَيَجْعَلُ كُلَّ مَا يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ صَحِيحًا ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ حِبَّانَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، والْبَيْهَقِيِّ لِإِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ السَّلَامِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ إِنَّمَا يُفِيدُ إِيجَابَ الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى إِيجَابِ أَصْلِ الصَّلَاةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحِلِّ الْمَخْصُوصِ ، وَلَكِنْ قَرَّبَ الْبَيْهَقِيُّ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ ، وَالتَّشَهُّدُ دَاخِلَ الصَّلَاةِ فَسَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ ، فَعَلَّمَهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِيقَاعُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّشَهُّدِ الَّذِي تَقَدَّمَ تَعْلِيمُهُ لَهُمْ ، وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَهُوَ بِعِيدٌ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَيْسَ فِيهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِهِ مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ ، وَقَدْ كَثُرَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ ، وَقَرَّرَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَيْسَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَجِبَ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ ، إِنْ أَرَادَ بِهِ عَيْنًا فَهُوَ صَحِيحٌ ، لَكِنْ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنْ تَجِبَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ ، وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ هُوَ الْمُسْتَدِلُّ بِذَلِكَ ، وَرَدَّهُ بِنَحْوِ مَا رَدَّ بِهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَلَمْ يُصِبْ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ ، وَالَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾فَلَمْ يَكُنْ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ أَوْلَى مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ - يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ - ؟ قَالَ : تَقُولُونَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْحَدِيثَ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ، الْحَدِيثَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَلَمَّا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُهُمُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ نَقُولَ التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَقَدْ تَعَقَّبَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ مِنْ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : ضَعْفُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مَشْهُورٌ . الثَّانِي : عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ ، فَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْقَائِلِ يَعْنِي .
الثَّالِثَ : قَوْلُهُ فِي الثَّانِي : إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ ، أَيْ : فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَهُوَ احْتِمَالٌ قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الطُّرُقِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ لَا عَنْ مَحَلِّهَا . الرَّابِعُ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِ ذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ خُصُوصًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ أَطْنَبَ قَوْمٌ فِي نِسْبَةِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ إِلَى الشُّذُوذِ ، مِنْهُمْ : أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْخَطَّابِيُّ ، وَأَوْرَدَ عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ مَقَالَاتِهِمْ ، وَعَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ كِتَابِهِ يَقْتَضِي تَصْوِيبَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ تَعْظِيمِ الْمُصْطَفَى ، وَقَدِ اسْتَحْسَنَ هُوَ الْقَوْلَ بِطَهَارَةِ فَضَلَاتِهِ ، مَعَ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى خِلَافِهِ ، لَكِنَّهُ اسْتَجَادَهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي تَعْظِيمِهِ ، وَانْتَصَرَ جَمَاعَةٌ لِلشَّافِعِيِّ ، فَذَكَرُوا أَدِلَّةً نَقْلِيَّةً وَنَظَرِيَّةً ، وَدَفَعُوا دَعْوَى الشُّذُوذِ ، فَنَقَلُوا الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَهَذَا أَقْوَى شَيْءٍ يُحْتَجُّ بِهِ لِلشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ فَلَمَّا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الدُّعَاءِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى زِيَادَةِ ذَلِكَ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ ، وَانْدَفَعَتْ حُجَّةُ مَنْ تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي دَفْعِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ مَا ذَكَرَ عِيَاضٌ ، قَالَ : وَهَذَا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي عَلَّمَهُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ لَكِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَرَدَتْ بَعْدَ تَعْلِيمِ التَّشَهُّدِ ، وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، انْتَهَى . وَوَرَدَ لَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ فِي جُزْءِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَأَخْرَجَ الْعُمَرِيُّ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ ، قَالَ : لَا تَكُونُ صَلَاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ وَتَشَهُّدٍ وَصَلَاةٍ عَلَيَّ ، وَأَخَرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَالَ : مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، قَالَ : كُنَّا نَعْلَمُ التَّشَهُّدَ ، فَإِذَا قَالَ : وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَحْمَدُ رَبِّهِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَسْأَلُ حَاجَتَهُ وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ ، بَلْ جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ الْجَزْمُ بِهِ فِي الْعَمْدِ ، فَقَالَ : إِذَا تَرَكَهَا يُعِيدُ ، وَالْخِلَافُ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ قَالَ : عَلَى الصَّحِيحِ ، فَقَالَ شَارِحُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : يُرِيدُ أَنَّ فِي وُجُوبِهَا قَوْلَيْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَأَلْزَمَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَ كَالطَّحَاوِيِّ وَنَقَلَهُ السَّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَنْ أَصْحَابِ الْمُحِيطِ وَ الْعِقْدِ وَ التُّحْفَةِ وَ الْمُغِيثِ مِنْ كُتُبِهِمْ أَنْ يَقُولُوا بِوُجُوبِهَا فِي التَّشَهُّدِ ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ ، لَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ ، لَكِنْ لَا يَجْعَلُونَهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ حَرْمَلَةَ انْفَرَدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِإِيجَابِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، وَقَبْلَ سَلَامِ التَّحَلُّلِ ، قَالَ : لَكِنَّ أَصْحَابَهُ قَبِلُوا ذَلِكَ وَانْتَصَرُوا لَهُ وَنَاظَرُوا عَلَيْهِ .
انْتَهَى . وَاسْتَدَلَّ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَكَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ ، لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ : عَجِلَ هَذَا ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ، فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورَ قَرِيبًا مَرْفُوعٌ ، فَإِنَّهُ بِلَفْظِهِ ، وَقَدْ طَعَنَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ فَضَالَةَ لِلْوُجُوبِ ، فَقَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِالْإِعَادَةِ ، كَمَا أَمَرَ الْمُسِيءَ صَلَاتَهُ ، وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ . وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ وَقَعَ عِنْدَ فَرَاغِهِ وَيَكْفِي التَّمَسُّكُ بِالْأَمْرِ فِي دَعْوَى الْوُجُوبِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْجُرْجَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَلَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّدَ ، وَقَالَ : فَيَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ فُرِضَتْ حِينَئِذٍ ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : قَدْ وَرَدَ هَذَا فِي الصَّحِيحِ بِلَفْظِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ وَ : ثُمَّ لِلتَّرَاخِي ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ .
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَفَعَهُ : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ ، الْحَدِيثَ ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي إِيجَابِ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ فِي التَّشَهُّدِ ، وَفِي كَوْنِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَحَبَّةً عَقِبَ التَّشَهُّدِ لَا وَاجِبَةً ، وَفِيهِ مَا فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ انْتَصَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ ، لِلشَّافِعَيِّ فَقَالَ : أَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، وَفِي تَمَسُّكِ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ بِعَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ كَانَ بِوِفَاقِهِ إِلَّا إِنْ كَانَ يُرِيدُ بِالْعَمَلِ الِاعْتِقَادَ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ عَنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَأَنَّى يُوجَدُ ذَلِكَ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ عِيَاضٍ : إِنَّ النَّاسَ شَنَّعُوا عَلَى الشَّافِعِيِّ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ ، فَأَيُّ شَنَاعَةٍ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا مَصْلَحَةً رَاجِحَةً ؟ بَلِ الْقَوْلُ بِذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ مَذْهَبِهِ .
وَأَمَّا نَقْلُهُ لِلْإِجْمَاعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّهُ ، وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةٍ بِاخْتِيَارَاتِ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا اخْتَارَ تَشَهُّدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهَا ضَعِيفَةٌ كَحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ ، وَبُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدِ اسْتَوْعَبَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهَا لِلتَّقْوِيَةِ ، لَا أَنَّهَا تَنْهَضُ بِالْحُجَّةِ . قُلْتُ : وَلَمْ أَرَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ التَّصْرِيحَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَفْظُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ يُشْعِرُ بِأَنَّ غَيْرَهُ كَانَ قَائِلًا بِالْوُجُوبِ ؛ فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِالْإِجْزَاءِ .