حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي ؟ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ : ( ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ) اسْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ إِنَّمَا يُخَرِّجُ لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ أَوْ مَقْرُونًا بِآخَرَ ، وَيَزِيدُ شَيْخُهُمَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ ) أَيْ : عَرَفْنَاهُ ، كَمَا وَقَعَ تَقْرِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَعَيُّنِ هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ سَوَاءٌ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا بِالصَّلَاةِ ، وَأَمَّا تَعَيُّنُهُ فِي الصَّلَاةِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَتْبَاعِهِ : لَا تَجِبُ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَكْمَلُ مَا وَرَدَ وَعَنْهُ يَتَخَيَّرُ ، وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا : يَكْفِي أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، كَأَنْ يَقُولَهُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَيَقُولُ : صَلَّى اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ مَثَلًا ، وَالْأَصَحُّ إِجْزَاؤُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ آكَدُ ، فَيَكُونُ جَائِزًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَمَنْ مَنَعَ وَقَفَ عِنْدَ التَّعَبُّدِ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ .

بَلْ كَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ الْوَارِدَ لِمَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْخَبَرِ ، كَأَنْ يَقُولَ : الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِسْنَادُ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعَيُّنِ لَفْظِ مُحَمَّدٍ ، لَكِنْ جَوَّزُوا الِاكْتِفَاءَ بِالْوَصْفِ دُونَ الِاسْمِ كَالنَّبِيِّ وَرَسُولِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ إِلَّا مَا كَانَ أَعْلَى مِنْهُ ، وَلِهَذَا قَالُوا : لَا يُجْزِئُ الْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ وَلَا بِأَحْمَدَ مَثَلًا فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا ، مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي التَّشَهُّدِ بِقَوْلِهِ : النَّبِيِّ وَبِقَوْلِهِ : مُحَمَّدٍ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الِاجْتِزَاءِ بِكُلِّ لَفْظٍ أَدَّى الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَوْ قَالَ فِي أَثْنَاءِ التَّشَهُّدِ : الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ أَجْزَأَ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَدَّمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ لَا يُشْتَرَطُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَلَكِنْ دَلِيلُ مُقَابِلِهِ قَوِيٌّ ؛ لِقولِهِمْ : كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ وَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : عَدَّهُنَّ فِي يَدَيَّ وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ تَصْنِيفًا وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْوُجُوبَ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فَلَمَّا سَأَلَ الصَّحَابَةُ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ ، وَعَلَّمَهَا لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ ، وَتَرَكَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا فِي التَّشَهُّدِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ وَاجِبًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ ، انْتَهَى . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ فِي الْإِقْلِيدِ فَقَالَ : جَعْلُهُمْ هَذَا هُوَ الْأَقَلَّ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِمُسَمَّى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ لَيْسَ فِيهَا الِاقْتِصَارُ ، وَالْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِمُطْلَقِ الصَّلَاةِ لَيْسَ فِيهَا مَا يُشِيرُ إِلَى مَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَقَلُّ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الْفُورَانِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ فِي إِيجَابِ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَجْهَيْنِ ، وَاحْتَجَّ لِمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ بِأَنَّهُ وَرَدَ بِدُونِ ذِكْرِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ ، وَلَفْظُهُ : صَلُّوا عَلَيَّ وَقُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنِ اخْتِصَارِ بَعْضِ الرُّوَاةِ ؛ فَإِنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِتَمَامِهِ ، وَكَذَا الطَّحَاوِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِي إِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فَفِي تَعَيُّنِهَا أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ لَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَادَّعَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَأَكْثَرُ مَنْ أَثْبَتَ الْوُجُوبَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ نَسَبُوهُ إِلَى التُّرُنْجِيِّ ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعِيَّةِ - قَالَ : أَنَا أَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَفِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ ، قُلْتُ : وَفِي كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ فِي مُشْكِلِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَرْمَلَةَ نَقَلَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَالْمُصَحَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَطْ ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَبَنَاهُ الْأَصْحَابُ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إِنْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ . قُلْتُ : وَاسْتُدِلَّ بِتَعْلِيمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ الْكَيْفِيَّةَ بَعْدَ سُؤَالِهِمْ عَنْهَا بِأَنَّهَا أَفْضَلُ كَيْفِيَّاتِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ إِلَّا الْأَشْرَفَ الْأَفْضَلَ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ : لَوْ حَلَفَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ ؛ فَطَرِيقُ الْبِرِّ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ ، هَكَذَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ بَعْدَ ذِكْرِ حِكَايَةِ الرَّافِعِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ يَبَرُّ إِذَا قَالَ : كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ ، وَكُلَّمَا سَهَا عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِ الشَّافِعِيِّ ذَكَرَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ ، قُلْتُ : وَهِيَ فِي خُطْبَةِ الرِّسَالَةِ ، لَكِنْ بِلَفْظِ : غَفَلَ بَدَلَ سَهَا وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ : إِبْرَاهِيمُ الْمَذْكُورُ كَثِيرُ النَّقْلِ مِنْ تَعْلِيقَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقَاضِي قَالَ فِي طَرِيقِ الْبِرِّ : يَقُولُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَمُسْتَحِقُّهُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ .

قُلْتُ : وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهَا فَقَالَ مَا فِي الْحَدِيثِ ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ أَثَرَ الشَّافِعِيِّ ، وَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لَكَانَ أَشْمَلَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : يَعْمِدُ إِلَى جَمِيعِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ فَيَسْتَعْمِلُ مِنْهَا ذِكْرًا يَحْصُلُ بِهِ الْبِرُّ ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا مَجْدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَلُ الْكَيْفِيَّاتِ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، وَسَلِّمْ عَدَدَ خَلْقِكَ ، وَرِضَا نَفْسِكَ ، وَزِنَةَ عَرْشِكَ ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِكَ ، وَعَنْ آخَرَ نَحْوَهُ ، لَكِنْ قَالَ : عَدَدَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ ، وَعَدَدَ كَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ ، وَلَمْ يُسَمِّ قَائِلَهَا وَالَّذِي يُرْشِدُ إِلَيْهِ الدَّلِيلُ أَنَّ الْبِرَّ يَحْصُلُ بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ لِقولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا ، فَلْيَقُلِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذُرِّيَّتِهِ ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، الْحَدِيثَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيه ) : إِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ الْمَرْوَزِيِّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ - تَعَالَى - ، فَإِنَّ لَفْظَهُ : وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ فَكَانَ حَقُّ مَنْ غَيَّرَ عِبَارَتَهُ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، كُلَّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ إِلَخْ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ وَرَدَتْ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا وَقَدَّمَ تَعْلِيمَ السَّلَامِ قَبْلَ الصَّلَاةِ كَمَا قَالُوا : عُلِّمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ النَّخَعِيِّ : يُجْزِئُ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ قَوْلُهُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فِي التَّشَهُّدِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَأَرْشَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَمَا عَدَلَ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ كَيْفِيَّةً أُخْرَى ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ إِفْرَادَ الصَّلَاةِ عَنِ التَّسْلِيمِ لَا يُكْرَهُ ، وَكَذَا الْعَكْسُ ؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ التَّسْلِيمِ تَقَدَّمَ قَبْلَ تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، فَأَفْرَدَ التَّسْلِيمَ مُدَّةً فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِالْكَرَاهَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِمَا مَعًا فِي الْآيَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، نَعَمْ يُكْرَهُ أَنْ يُفْرِدَ الصَّلَاةَ وَلَا يُسَلِّمَ أَصْلًا ، أَمَّا لَوْ صَلَّى فِي وَقْتٍ ، وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُمْتَثِلًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِهَةِ وُرُودِ الْأَمْرِ بِهَا وَاعْتِنَاءِ الصَّحَابَةِ بِالسُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّصْرِيحِ بِفَضْلِهَا أَحَادِيثُ قَوِيَّةٌ ، لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ مِنْهَا شَيْئًا ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ وَأَبِي طَلْحَةَ كِلَاهُمَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ ، وَلَفْظُ أَبِي بُرْدَةَ : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي صَلَاةً ، مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَ صَلَوَاتٍ ، وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ ، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ ، وَلَفْظُ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَهُ نَحْوُهُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِلَفْظِ : صَلَاةُ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمْعَةٍ ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً ، وَلَا بَأْسَ بِسَنَدِهِ ، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِإِكْثَارِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ : الْبَخِيلِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، وَأَطْنَبَ فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ وَبَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِهِ الْحُسَيْنِ ، وَلَا يَقْصُرُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَحَدِيثُ : رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَهُ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي الطَّبَرَانِيِّ ، وَآخَرُ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَآخَرُ مُرْسَلٌ عَنِ الْحَسَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِلَفْظِ : بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ : شَقِيَ عَبْدٌ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ : مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ أُذْكَرَ عِنْدَ رَجُلٍ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ وَمِنْهَا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ ، فَمَا أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ .

قَالَ : الثُّلُثَ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ إِلَى أَنْ قَالَ : أَجْعَلُ لَكَ كُلَّ صَلَاتِي ؟ قَالَ : إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فَهَذَا الْجَيِّدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ضَعِيفَةٌ وَوَاهِيَةٌ . وَأَمَّا مَا وَضَعَهُ الْقَصَّاصُ فِي ذَلِكَ فَلَا يُحْصَى كَثْرَةً ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الْقَوِيَّةِ غُنْيَةٌ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ الْحَلِيمِيُّ : الْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ ، وَقَضَاءِ حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْنَا ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ : لَيْسَتْ صَلَاتُنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَفَاعَةً لَهُ ، فَإِنَّ مِثْلَنَا لَا يَشْفَعُ لِمِثْلِهِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِمُكَافَأَةِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهَا كَافَأْنَاهُ بِالدُّعَاءِ ، فَأَرْشَدَنَا اللَّهُ لِمَا عَلِمَ عَجْزَنَا عَنْ مُكَافَأَةِ نَبِيِّنَا إِلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ .

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فَائِدَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ ؛ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى نُصُوعِ الْعَقِيدَةِ ، وَخُلُوصِ النِّيَّةِ ، وَإِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَالِاحْتِرَامِ لِلْوَاسِطَةِ الْكَرِيمَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالرَّغْمِ وَالْإِبْعَادِ وَالشَّقَاءِ وَالْوَصْفِ بِالْبُخْلِ وَالْجَفَاءِ يَقْتَضِي الْوَعِيدَ ، وَالْوَعِيدُ عَلَى التَّرْكِ مِنْ عَلَامَاتِ الْوُجُوبِ ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ فَائِدَةَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُكَافَأَتُهُ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَإِحْسَانُهُ مُسْتَمِرٌّ ، فَيَتَأَكَّدُ إِذَا ذُكِرَ ، وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا فَلَوْ كَانَ إِذَا ذُكِرَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لَكَانَ كَآحَادِ النَّاسِ ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : دُعَاءَ الرَّسُولِ الدُّعَاءَ الْمُتَعَلِّقَ بِالرَّسُولِ ، وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا : أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَهُوَ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ لَلَزِمَ الْمُؤَذِّنَ إِذَا أَذَّنَ ، وَكَذَا سَامِعَهُ ، وَلَلَزِمَ الْقَارِئَ إِذَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَلَزِمَ الدَّاخِلَ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَلَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ مَا جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ السَّمْحَةُ بِخِلَافِهِ ، وَلَكَانَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ كُلَّمَا ذُكِرَ أَحَقَّ بِالْوُجُوبِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ . وَقَدْ أَطْلَقَ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ قَبْلَ قَائِلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ خَاطَبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَفَرَّغِ السَّامِعُ لِعِبَادَةٍ أُخْرَى ، وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِ ذَلِكَ وَطَلَبِهِ ، وَفِي حَقِّ مَنِ اعْتَادَ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَيْدَنًا ، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا دَلَالَةَ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ بِتَكَرُّرِ ذِكْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ ، وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ ؛ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ أَصْلًا مَعَ وُرُودِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فَرْضًا حَتَّى يَكُونَ تَارِكُهُ عَاصِيًا ، قَالَ : فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدَبِ ، وَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ لِمَنْ قَالَهُ ، وَلَوْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ مُعَارَضٌ بِدَعْوَى غَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، إِمَّا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ النَّدْبِ ، وَلَا يُعْرَفُ عَنِ السَّلَفِ لِذَلِكَ مُخَالِفٌ ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّبَرِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، يُجْزِئُ عَنِ الصَّلَاةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخَالِفْ فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ ، وَإِنَّمَا ادَّعَى إِجْزَاءَ السَّلَامِ عَنِ الصَّلَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ ، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْخُطَبِ ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ ، وَمِمَّا يَتَأَكَّدُ وَوَرَدَتْ فِيهِ أَخْبَارٌ خَاصَّةٌ أَكْثَرُهَا بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ عَقِبَ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ ، وَأَوَّلَ الدُّعَاءِ ، وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ ، وَفِي أَوَّلِهِ آكَدُ ، وَفِي آخِرِ الْقُنُوتِ ، وَفِي أَثْنَاءِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّفَرُّقِ ، وَعِنْدَ السَّفَرِ وَالْقُدُومِ ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَعِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ ، وَعِنْدَ الْهَمِّ وَالْكَرْبِ ، وَعِنْدَ التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ ، وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ ، وَتَبْلِيغِ الْعِلْمِ ، وَالذِّكْرِ ، وَعِنْدَ نِسْيَانِ الشَّيْءِ ، وَوَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ، وَعِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ ، وَعِنْدَ طَنِينِ الْأُذُنِ ، وَعِنْدَ التَّلْبِيَةِ ، وَعَقِبَ الْوُضُوءِ ، وَعِنْدَ الذَّبْحِ وَالْعُطَاسِ ، وَوَرَدَ الْمَنْعُ مِنْهَا عِنْدَهُمَا أَيْضًا ، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ كَمَا تَقَدَّمَ .

ورد في أحاديث18 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث