حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ

بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ 6368 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا ، وَكَذَا الرَّاءِ ، وَالْمُثَلَّثَةِ ، وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ . وَالْمَأْثَمُ : مَا يَقْتَضِي الْإِثْمَ ، وَالْمَغْرَمُ : مَا يَقْتَضِي الْغُرْمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ .

قَوْلُهُ : ( مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ ) فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ) وَالْمُرَادُ الْإِثْمُ وَالْغَرَامَةُ ، وَهِيَ مَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ أَدَاؤُهُ كَالدَّيْنِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ - كَمَا مَضَى فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ - : فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الْحِمْصِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا ، وَفِيهِ فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تُكْثِرُ التَّعَوُّذَ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ ، وَقُلْتُ : إِنِّي لَمْ أَقِفْ حِينَئِذٍ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ ، ثُمَّ وَجَدْتُ تَفْسِيرَ الْمُبْهَمِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ لِلنَّسَائِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا ، وَلَفْظُهُ : كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَكْثَرَ مَا تَتَعَوَّذُ مِنَ الْمَغْرَمِ ، قَالَ : إِنَّهُ مَنْ غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ، فَعُرِفَ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ) هِيَ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ ، وَعَذَابُ الْقَبْرِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ .

قَوْلُهُ : ( وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ ) هِيَ سُؤَالُ الْخَزَنَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ . قَوْلُهُ : ( وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : صَرَّحَ فِي فِتْنَةِ الْغِنَى بِذِكْرِ الشَّرِّ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَضَرَّتَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَضَرَّةِ غَيْرِهِ ، أَوْ تَغْلِيظًا عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا فَيَغْفُلُوا عَنْ مَفَاسِدِهِ ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ صُورَتَهُ لَا يَكُونُ فِيهَا خَيْرٌ ، بِخِلَافِ صُورَةِ الْفَقْرِ ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ خَيْرًا ، انْتَهَى . وَكُلُّ هَذَا غَفْلَةٌ عَنِ الْوَاقِعِ ؛ فَإِنَّ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ لَفْظَ شَرِّ فِي الْأَصْلِ ثَابِتَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَرَهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ ، فَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ فِي بَابِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ مُفَرَّقًا عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ : شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ ، عَنْ هِشَامٍ بِإِسْقَاطِ شَرِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَالتَّقْيِيدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ بِالشَّرِّ لَا بُدَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ خَيْرٌ بِاعْتِبَارٍ ، فَالتَّقْيِيدُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ بِالشَّرِّ يُخْرِجُ مَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ ، سَوَاءٌ قَلَّ أَمْ كَثُرَ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : فِتْنَةُ الْغِنَى : الْحِرْصُ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ ، وَحُبُّهُ ، حَتَّى يَكْسِبَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ، وَيَمْنَعَهُ مِنْ وَاجِبَاتِ إِنْفَاقِهِ وَحُقُوقِهِ ، وَفِتْنَةُ الْفَقْرِ يُرَادُ بِهِ الْفَقْرُ الْمُدْقِعُ الَّذِي لَا يَصْحَبُهُ خَيْرٌ وَلَا وَرَعٌ ، حَتَّى يَتَوَرَّطَ صَاحِبُهُ بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ ، وَلَا يُبَالِي بِسَبَبِ فَاقَتِهِ عَلَى أَيِّ حَرَامٍ وَثَبَ ، وَلَا فِي أَيِّ حَالَةٍ تَوَرَّطَ .

وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ فَقْرُ النَّفْسِ الَّذِي لَا يَرُدُّهُ مِلْكُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى وَلَا عَكْسِهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَحِكْمَةُ الْعُدُولِ عَنِ الْمَاءِ الْحَارِّ إِلَى الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، مَعَ أَنَّ الْحَارَّ فِي الْعَادَةِ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الْوَسَخِ ، الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ مَاءَانِ طَاهِرَانِ ، لَمْ تَمَسَّهُمَا الْأَيْدِي ، وَلَمْ يَمْتَهِنْهُمَا الِاسْتِعْمَالُ ، فَكَانَ ذِكْرُهُمَا آكَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْخَطَّابِيُّ .

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَلَهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ النَّارِ ؛ لِكَوْنِهَا تُؤَدِّي إِلَيْهَا فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا فِي إِطْفَائِهَا وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَاتِ تَرَقِّيًا عَنِ الْمَاءِ إِلَى أَبْرَدَ مِنْهُ وَهُوَ الثَّلْجُ ، ثُمَّ إِلَى أَبْرَدَ مِنْهُ وَهُوَ الْبَرَدُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ يَجْمُدُ وَيَصِيرُ جَلِيدًا بِخِلَافِ الثَّلْجِ ، فَإِنَّهُ يَذُوبُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ ، وَقَيَّدَهُ بِالصَّلَاةِ وَلَفْظُهُ : كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ تَوْجِيهَ إِدْخَالِهِ فِي الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ذِكْرُ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ، وَوَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَهُمَا مَعًا فِيهِ قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ إِلَخْ وَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ ذَكَرَ فِيهِ كُلٌّ مِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث