بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ
بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ 6435 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بن عياش ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُتَّقَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالْمُثَنَّاةِ وَالْقَافِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ ) ، أَيْ الِالْتِهَاءِ بِهِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، أَيْ تَشْغَلُ الْبَالَ عَنِ الْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَصَحَّحُوهُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ مِثْلُهُ ، وَزَادَ : وَلَوْ سِيلَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَتَمَنَّى إِلَيْهِ ثَالِثًا . الْحَدِيثَ ، وَبِهَا تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ جِدًّا ، وَقَوْلُهُ : سِيلَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، ثُمَّ لَامٌ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، يُقَالُ : سَالَ الْوَادِي إِذَا جَرَى مَاؤُهُ . وَأَمَّا الْفِتْنَةُ بِالْوَلَدِ فَوَرَدَ فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، فَجَاءَ الْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ ، فَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوَّلَاكُمْ فِتْنَةٌ الْحَدِيثَ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَطْعَ الْخُطْبَةِ وَالنُّزُولَ لَهُمَا فِتْنَةٌ دَعَا إِلَيْهَا مَحَبَّةُ الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَرْجُوحًا .
وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فَهُوَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ؛ فَيَكُونُ فِي حَقِّهِ رَاجِحًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِ الشَّيْءِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوْلَى تَرْكُ فِعْلِهِ ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ بِالْوَلَدِ مَرَاتِبُ ، وَإِنَّ هَذَا مِنْ أَدْنَاهَا ، وَقَدْ يَجُرُّ إِلَى مَا فَوْقَهُ فَيُحْذَرُ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الزِّمِّيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، وَيُقَالُ لَهُ : ابْنُ أَبِي كَرِيمَةَ ، فَقِيلَ : هِيَ كُنْيَةُ أَبِيهِ ، وَقِيلَ : هُوَ جَدُّهُ وَاسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي الصَّحِيحِ ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ خَارِجَ الصَّحِيحِ بِوَاسِطَةٍ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَصِينٍ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا حَدَّثَنَا .
قَوْلُهُ : ( قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَافَقَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى رَفْعِهِ شَرِيكٌ الْقَاضِي ، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، وَخَالَفَهُمْ إِسْرَائِيلُ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ مَوْقُوفًا . قُلْتُ : إِسْرَائِيلُ أَثْبَتُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّ اجْتِمَاعَ الْجَمَاعَةِ يُقَاوِمُ ذَلِكَ ، وَحِينَئِذٍ تَتِمُّ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي بَابِ الْحِرَاسَةِ فِي الْغَزْوِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْجَامِعِ الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ : ( تَعِسَ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ ، أَيْ سَقَطَ وَالْمُرَادُ هُنَا هَلَكَ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : التَّعْسُ الشَّرُّ قَالَ - تَعَالَى - : فَتَعْسًا لَهُمْ أَرَادَ أَلْزَمَهُمُ الشَّرَّ ، وَقِيلَ : التَّعْسُ الْبُعْدُ أَيْ بُعْدًا لَهُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : قَوْلُهُمْ تَعْسًا لِفُلَانٍ نَقِيضُ قَوْلِهِمْ : لَعًا لَهُ ، فَتَعْسًا دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْعَثْرَةِ ، وَلَعًا دُعَاءٌ لَهُ بِالِانْتِقَاشِ .
قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الدِّينَارِ ) أَيْ طَالِبُهُ الْحَرِيصُ عَلَى جَمْعِهِ الْقَائِمُ عَلَى حِفْظِهِ ، فَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ خَادِمُهُ وَعَبْدُهُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ خُصَّ الْعَبْدُ بِالذِّكْرِ ؛ لِيُؤْذَنَ بِانْغِمَاسِهِ فِي مَحَبَّةِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا كَالْأَسِيرِ الَّذِي لَا يَجِدُ خَلَاصًا ، وَلَمْ يَقُلْ : مَالِكُ الدِّينَارِ ، وَلَا جَامِعُ الدِّينَارِ ؛ لِأَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ الْمِلْكِ وَالْجَمْعِ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَقَوْلُهُ : إِنْ أُعْطِيَ إِلَخْ يُؤْذِنُ بِشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُمَا لِشَغَفِهِ وَحِرْصِهِ ، فَمَنْ كَانَ عَبْدًا لِهَوَاهُ لَمْ يَصْدُقْ فِي حَقِّهِ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ فَلَا يَكُونُ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ صِدِّيقًا . قَوْلُهُ : ( وَالْقَطِيفَة ) هِيَ الثَّوْبُ الَّذِي لَهُ خَمْلٌ وَالْخَمِيصَةُ الْكِسَاءُ الْمُرَبَّعُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ ، فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ : تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ، وَقَوْلُهُ : وَانْتَكَسَ ، أَيْ عَاوَدَهُ الْمَرَضُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ التَّعْسِ بِالسُّقُوطِ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ مِنْ سَقْطَتِهِ عَاوَدَهُ السُّقُوطُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِانْتَكَسَ بَعْدَ تَعِسَ انْقَلَبَ عَلَى رَأْسِهِ بَعْدَ أَنْ سَقَطَ ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : تَعِسَ وَانْتَكَسَ فِيهِ التَّرَقِّي فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعِسَ انْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ ، فَإِذَا انْتَكَسَ انْقَلَبَ عَلَى رَأْسِهِ ، وَقِيلَ : التَّعْسُ الْخَرُّ عَلَى الْوَجْهِ ، وَالنَّكْسُ الْخَرُّ عَلَى الرَّأْسِ ، وَقَوْلُهُ : فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ : وَإِذَا شِيكَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدِهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ كَافٌ ، أَيْ إِذَا دَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْرِجُهَا بِالْمِنْقَاشِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَلَا انْتَقَشَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَمْ يَقْدِرِ الطَّبِيبُ أَنْ يُخْرِجَهَا . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِمَا يُثَبِّطُهُ عَنِ السَّعْيِ وَالْحَرَكَةِ ، وَسَوَّغَ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ قَصَرَ عَمَلُهُ عَلَى جَمْعِ الدُّنْيَا ، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَنِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّشَاغُلِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا خُصَّ انْتِقَاشُ الشَّوْكَةِ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مَا يُتَصَوَّرُ مِنَ الْمُعَاوَنَةِ ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ الْأَسْهَلُ انْتَفَى مَا فَوْقَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .
قَوْلُهُ : ( إِنْ أُعْطِيَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ) وَقَعَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ الْوَفَاءِ عِوَضَ الرِّضَا وَأَحَدُهُمَا مَلْزُومٌ لِلْآخَرِ غَالِبًا .