حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ

حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ . الحديث الثاني . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَطَاءٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَصَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِسَمَاعِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَهُ مِنْ عَطَاءٍ ، وَهَذَا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي إِيرَادِ الْإِسْنَادِ النَّازِلِ عَقِبَ الْعَالِي ؛ إِذْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ جَرِيجٍ فِي الْأَوَّلِ راو وَاحِدٌ ، وَفِي الثَّانِي اثْنَانِ ، وَفِي السَّنَدِ الثَّانِي أَيْضًا فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي آخِرِهِ ، وَمُحَمَّدٌ فِي الثَّانِي هُوَ ابْنُ سَلَامٍ ، وَقَدْ نُسِبَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ كَذَلِكَ ، وَمَخْلَدٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ بَيْنَهُمَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ .

قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي صَرَّحَ فِيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِسَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَرْوِيِّهِ عَنْهُ ؛ فَإِنَّهُ أَحَدُ الْمُكْثِرِينَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَتَحَمُّلُهُ كَانَ أَكْثَرُهُ عَنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا ) فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مَالًا لَأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْبَابِ أَيْضًا ، وَمِثْلُهُ فِي مُرْسَلِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الَّذِي قَدَّمْتُهُ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الَّذِي سَأَذْكُرُهُ ، وَقَوْلُهُ : مِنْ مَالٍ فَسَّرَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِقَوْلِهِ : مِنْ ذَهَبٍ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَزَادَ : وَفِضَّةٍ ، وَأَوَّلُهُ مِثْلُ لَفْظِ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأُولَى ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ : كُنَّا نَقْرَأُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ لَابْتَغَى الثَّالِثَ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ : لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِي نَخْلٍ ، وَقَوْلُهُ : لَابْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ افْتَعَلَ بِمَعْنَى الطَّلَبِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : أَحَبَّ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : لَتَمَنَّى مِثْلَهُ ثُمَّ تَمَنَّى مِثْلَهُ حَتَّى يَتَمَنَّى أَوْدِيَةً . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ نَفْسَ بَدَلَ جَوْفَ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ كَالْأَوَّلِ ، وَفِي مُرْسَلِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَلَا يُشْبِعُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَوْفَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْبَابِ : وَلَا يَمْلَأُ عَيْنَ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِيهِ وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَلَا يَمْلَأُ بَطْنَ .

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَيْسَ الْمُرَادُ الْحَقِيقَةَ فِي عُضْوٍ بِعَيْنِهِ بِقَرِينَةِ عَدَمِ الِانْحِصَارِ فِي التُّرَابِ إِذْ غَيْرُهُ يَمْلَؤُهُ أَيْضًا ، بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلِامْتِلَاءِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَشْبَعُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوتَ ، فَالْغَرَضُ مِنَ الْعِبَارَاتِ كُلِّهَا وَاحِدٌ ، وَهِيَ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ . قُلْتُ : وَهَذَا يَحْسُنُ فِيمَا إِذَا اخْتَلَفَتْ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا إِذَا اتَّحَدَتْ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، ثُمَّ نِسْبَةُ الِامْتِلَاءِ لِلْجَوْفِ وَاضِحَةٌ ، وَالْبَطْنُ بِمَعْنَاهُ ، وَأَمَّا النَّفْسُ فَعَبَّرَ بِهَا عَنِ الذَّاتِ ، وَأَطْلَقَ الذَّاتَ وَأَرَادَ الْبَطْنَ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَمِ فَلِكَوْنِهِ الطَّرِيقَ إِلَى الْوُصُولِ لِلْجَوْفِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الْعَيْنَ وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الطَّلَبِ ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا يُعْجِبُهُ فَيَطْلُبُهُ لِيَحُوزَهُ إِلَيْهِ ، وَخَصَّ الْبَطْنَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُطْلَبُ الْمَالُ لِتَحْصِيلِ الْمُسْتَلَذَّاتِ ، وَأَكْثَرُهَا يَكُونُ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَعَ قَوْلُهُ : وَلَا يَمْلَأُ إِلَخْ مَوْقِعَ التَّذْيِيلِ وَالتَّقْرِيرِ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَلَا يَشْبَعُ مَنْ خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ إِلَّا بِالتُّرَابِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ التُّرَابِ دُونَ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَنْقَضِي طَمَعُهُ حَتَّى يَمُوتَ ، فَإِذَا مَاتَ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدْفَنَ ، فَإِذَا دُفِنَ صُبَّ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَمَلَأَ جَوْفَهُ وَفَاهُ وَعَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ إِلَى تُرَابٍ غَيْرُهُ ، وَأَمَّا النِّسْبَةُ إِلَى الْفَمِ فَلِكَوْنِهِ الطَّرِيقَ إِلَى الْوُصُولِ لِلْجَوْفِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث