بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يسرني أَنَّ عندي مِثْلَ أُحُدٍ هذا ذَهَبًا
بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يسرني أَنَّ عندي مِثْلَ أُحُدٍ هذا ذَهَبًا 6444 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَمِنْ خَلْفِهِ - ثُمَّ مَشَى ، ثم قَالَ : إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْمقلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ - وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، ثُمَّ قَالَ لِي : مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ ، ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدْ ارْتَفَعَ ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أحد عَرَضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ ، فَتذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي : لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ ، فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ ، فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ : وَهَلْ سَمِعْتَهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا ) لَمْ أَرَ لَفْظَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ ، لَكِنَّهُ ثَابِتٌ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ ، وذكر فيه حديثين : الأول . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ) هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْبُورَانِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ هُوَ سَلَّامٌ بِالتَّشْدِيدِ ابْنُ سُلَيْمٍ .
قَوْلُهُ : ( فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ : فَالْتَفَتَ فَرَآنِي كَمَا تَقَدَّمَ ، وَتَقَدَّمَ قِصَّةُ الْمُكْثِرِينَ وَالْمُقِلِّينَ وَقَوْلُهُ : فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَأُحُدٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، وَفِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثِ : فَاسْتَقْبَلْنَا أُحُدًا بِسُكُونِ اللَّامِ ، وَأُحُدًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، وَمَنْصُورٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَيُّ جَبَلٍ هَذَا ؟ قُلْتُ : أُحُدٌ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ الْمَاضِيَةِ فِي الزَّكَاةِ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَتُبْصِرُ أُحُدًا ؟ قَالَ : فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أَرَى أَنْ يُرْسِلَنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ فَقُلْتُ : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ ) ، فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ : ( مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَحْمَدَ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَاكَ ذَهَبًا ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي الِاسْتِئْذَانِ : فَلَمَّا أَبْصَرَ أُحُدًا قَالَ : مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثَ اسْتِعْمَالُ حَوَّلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ وَإعْمَالهَا عَمَلَهَا ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ ، خَفِيَ عَلَى أَكْثَرِ النُّحَاةِ ، وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةً لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، فَرَفَعَتْ أَوَّلَ الْمَفْعُولَيْنِ وَهُوَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى أُحُدٍ ، وَنُصِبَ ثَانِيهِمَا وَهُوَ قَوْلُهُ : ذَهَبًا فَصَارَتْ بِبِنَائِهَا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ جَارِيَةً مَجْرَى صَارَ فِي رَفْعِ الْمُبْتَدَأِ وَنَصْبِ الْخَبَرِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مُتَّحِدُ الْمَخْرَجِ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ : مِثْلُ أُحُدٍ ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ : تَحَوَّلَ لِي أُحُدٌ يحَمْلِ الْمِثْلِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ وَزْنُهُ مِنَ الذَّهَبِ وَزْنَ أُحُدٍ ، وَالتَّحْوِيلُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْقَلَبَ ذَهَبًا كَانَ قَدْرَ وَزْنِهِ أَيْضًا . وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ رُوَاتِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا : فَفِي رِوَايَةِ سَالِمٍ ، وَمَنْصُورٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : قُلْتُ أُحُدٌ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُ ذَهَبَ قَطْعًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَدَعُ مِنْهُ قِيرَاطًا ، وَفِي رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا أَمُوتُ يَوْمَ أَمُوتُ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ . وَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ .
قَوْلُهُ : ( تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٍ ) أَيْ لَيْلَةٌ ثَالِثَةٌ ، قِيلَ : وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالثَّلَاث ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ تَفْرِيقُ قَدْرِ أُحُدٍ مِنَ الذَّهَبِ فِي أَقَلَّ مِنْهَا غَالِبًا ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : الثَّلَاثَةُ أَقْصَى مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَفْرِقَةِ مِثْلِ ذَلِكَ ، وَالْوَاحِدَةُ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ) ؛ أَيْ أَعُدُّهُ أَوْ أَحْفَظُهُ ، وَهَذَا الْإِرْصَادُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ دَيْنٍ غَائِبٍ حَتَّى يَحْضُرَ فَيَأْخُذَهُ ، أَوْ لِأَجْلِ وَفَاءِ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ حَتَّى يَحِلَّ فَيُوَفَّى ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ ، وَأَبِي شِهَابٍ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ : إِلَّا دِينَارٌ بِالرَّفْعِ ، وَالنَّصْبُ وَالرَّفْعُ جَائِزَانِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُطْلَقٌ عَامٌّ ، وَالْمُسْتَثْنَى مُقَيَّدٌ خَاصٌّ فَاتَّجَهَ النَّصْبُ ، وَتَوْجِيهُ الرَّفْعِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَجَوَابُ لَوْ هُنَا فِي تَقْدِيرِ النَّفْيِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ الصَّرِيحُ فِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَى حَمْلِ إِلَّا عَلَى الصِّفَةِ ، وَقَدْ فُسِّرَ الشَّيْءُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالدِّينَارِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ ، وَفِي رِوَايَةِ سَالِمٍ ، وَمَنْصُورٍ : أَدَعُ مِنْهُ قِيرَاطًا . قَالَ قُلْتُ : قِنْطَارًا ؟ قَالَ : قِيرَاطًا ، وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّمَا أَقُولُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَظَاهِرُهُ نَفْيُ مَحَبَّةِ حُصُولِ الْمَالِ وَلَوْ مَعَ الْإِنْفَاقِ وَلَيْسَ مُرَادًا ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى نَفْيُ إِنْفَاقِ الْبَعْضِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ، فَهُوَ يُحِبُّ إِنْفَاقَ الْكُلِّ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى ، وَسَائِرُ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أُحُدَكُمْ هَذَا ذَهَبًا أُنْفِقُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيَمُرُّ بِي ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ الْإِنْفَاقُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ لَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ مَحْبُوبٌ .
قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ ) هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ فَيُفِيدُ الْإِثْبَاتَ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ نَفْيَ مَحَبَّةِ الْمَالِ مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ الْإِنْفَاقِ فَيَلْزَمُ مَحَبَّةُ وُجُودِهِ مَعَ الْإِنْفَاقِ ، فَمَا دَامَ الْإِنْفَاقُ مُسْتَمِرًّا لَا يُكْرَهُ وُجُودُ الْمَالِ ، وَإِذَا انْتَفَى الْإِنْفَاقُ ثَبَتَتْ كَرَاهِيَةُ وُجُودِ الْمَالِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَرَاهِيَةِ حُصُولِ شَيْءٍ آخَرَ وَلَوْ كَانَ قَدْرَ أُحُدٍ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْإِنْفَاقِ . قَوْلُهُ : ( هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَحُمِلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لِمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ هِيَ الْأَصْلُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الرُّوَاةِ ، وَأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنَ الْبُشْرَانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ مُلَاعِبٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ : إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَأَرَانَا بِيَدِهِ ، كَذَا فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْأَرْبَعِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ مِثْلَهُ ، لَكِنِ اقْتَصَرَ مِنَ الْأَرْبَعِ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ بَحْرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى ثِنْتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ مَشَى ثُمَّ قَالَ : أَلَا إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي شِهَابٍ فِي الِاسْتِقْرَاضِ ، وَرِوَايَةِ حَفْصٍ فِي الِاسْتِئْذَانِ هُمُ الْأَقَلُّونَ بِالْهَمْزِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ الْمَاضِيَةِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ بِالْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ النُّعْمَانِ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ الْأَقَلُّونَ ، وَالْمُرَادُ الْإِكْثَارُ مِنَ الْمَالِ وَالْإِقْلَالُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مُكْثِرًا وَلَمْ يَتَّصِفْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَهُ مِنَ الْإِنْفَاقِ .
قَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ قَالَ : هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) ، فِي رِوَايَةِ أَبِي شِهَابٍ : إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَحْمَدَ : إِلَّا مَنْ قَالَ : هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، فَحَثَا عَنْ يَمِينِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ . فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا اقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَقَدْ جَمَعَهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ فِي رِوَايَتِهِ وَلَفْظُهُ : إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - أَيْ مَالًا - فَنَفَحَ بِنُونٍ وَفَاءٍ وَمُهْمَلَةٍ ؛ أَيْ أَعْطَى كَثِيرًا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ يَمِينًا وَشِمَالًا وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ ، وَبَقِيَ مِنَ الْجِهَاتِ فَوْقُ وَأَسْفَلُ ، وَالْإِعْطَاءُ مِنْ قِبَلِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُمْكِنٌ ، لَكِنْ حُذِفَ لِنُدُورِهِ ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْإِنْفَاقَ مِنْ وَرَاءُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَلَيْسَ قَيْدًا فِيهِ ؛ بَلْ قَدْ يُقْصَدُ الصَّحِيحُ الْإِخْفَاءُ فَيَدْفَعُ لِمَنْ وَرَاءَهُ مَالًا يُعْطِي بِهِ مَنْ هُوَ أَمَامَهُ ، وَقَوْلُهُ هَكَذَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ أَشَارَ إِشَارَةً مِثْلَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ ، وَقَوْلُهُ : مِنْ خَلْفِهِ بَيَانٌ لِلْإِشَارَةِ ، وَخَصَّ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْإِعْطَاءِ صُدُورُهُ بِالْيَدَيْنِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ : وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا ؛ أَيْ حَسَنَةً ، وَفِي سِيَاقِهِ جِنَاسٌ تَامٌّ فِي قَوْلِهِ : أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا ، وَفِي قَوْلِهِ : وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا فَمَعْنَى الْخَيْرِ الْأَوَّلِ الْمَالُ ، وَالثَّانِي الْحَسَنَةُ . قَوْلُهُ : ( وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ) مَا زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْقِلَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً ، وَلَفْظُ قَلِيلٍ هُوَ الْخَبَرُ وَهُمْ هُوَ الْمُبْتَدَأُ ، وَالتَّقْدِيرُ وَهُمْ قَلِيلٌ ، وَقَدَّمَ الْخَبَرَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاخْتِصَاصِ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ لِي : مَكَانَكَ ) بِالنَّصْبِ أَيِ الْزَمْ مَكَانَكَ ، وَقَوْلُهُ : لَا تَبْرَحْ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ ، وَرُفِعَ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْأَمْرَ بِلُزُومِ الْمَكَانِ لَيْسَ عَامًّا فِي الْأَزْمِنَةِ ، وَقَوْلُهُ : حَتَّى آتِيَكَ غَايَةٌ لِلُزُومِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ ، وَفِي رِوَايَةِ حَفْصٍ : لَا تَبْرَحْ يَا أَبَا ذَرٍّ حَتَّى أَرْجِعَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً ، فَقَالَ لِي : اجْلِسْ ههُنَا ، فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ ؛ أَيْ أَرْضٍ سَهْلَةٍ مُطَمْئِنَةٍ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْقَمَرَ كَانَ قَدْ غَابَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَوَارَى ) ؛ أَيْ غَابَ شَخْصُهُ ، زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : عَنِّي ، وَفِي رِوَايَةِ حَفْصٍ : حَتَّى غَابَ عَنِّي ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَانطلَقَ فِي الْحَرَّةِ - أَيْ دَخَلَ فِيهَا - حَتَّى لَا أَرَاهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي شِهَابٍ : فَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَطَالَ اللُّبْثَ .
قَوْلُهُ : ( فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ : فَسَمِعْتُ لَغَطًا وَصَوْتًا . قَوْلُهُ : ( فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ؛ أَيْ تَعَرَّضَ لَهُ بِسُوءٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ عُرِضَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ عُرِضَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ . قَوْلُهُ : ( فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ ) ؛ أَيْ أَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ ؛ أَيْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى حَالِ سَبِيلِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ فِي الْبَابِ .
قَوْلُهُ : ( فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ : لَا تَبْرَحْ ، فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى جَاءَ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ : فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي سَمِعْتُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي شِهَابٍ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الَّذِي سَمِعْتُ أَوْ قَالَ الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ ، كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ تَكَلَّمَ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يُرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : وَهَلْ سَمِعْتَهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : ذَلِكَ جِبْرِيلُ ) ؛ أَيِ الَّذِي كُنْتُ أُخَاطِبُهُ أَوْ ذَلِكَ صَوْتُ جِبْرِيلَ .
قَوْلُهُ : ( أَتَانِي ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ : فَأَخْبَرَنِي . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : عَرَضَ لِي - أَيْ ظَهَرَ - فَقَالَ بَشِّرْ أُمَّتَكَ ، وَلَمْ أَرَ لَفْظَ التَّبْشِيرِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ) زَادَ الْأَعْمَشُ مِنْ أُمَّتِكَ .
قَوْلُهُ : ( دَخَلَ الْجَنَّةَ ) هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ ، رَتَّبَ دُخُولَ الْجَنَّةِ عَلَى الْمَوْتِ بِغَيْرِ إِشْرَاكِ بِاللَّهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْوَعِيدُ بِدُخُولِ النَّارِ لِمَنْ عَمِلَ بَعْضَ الْكَبَائِرِ ، وَبِعَدَمِ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِمَنْ عَمِلَهَا فَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاسْتِفْهَامُ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكَلَامِ مُقَدَّرٌ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : التَّقْدِيرُ أَوَ إِنْ زَنَى أَوَ إِنْ سَرَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، وَالشَّرْطُ حَالٌ ، وَلَا يَذْكُرُ الْجَوَابَ مُبَالَغَةً ، وَتَتْمِيمًا لِمَعْنَى الْإِنْكَارِ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ : قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ لِلْأَكْثَرِ وَثَلَاثًا لِلْمُسْتَمْلِي ، وَزَادَ فِي آخِرِ الثَّالِثَةِ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَكَذَا وَقَعَ التَّكْرَارُ ثَلَاثًا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي اللِّبَاسِ ، لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الزِّنَا عَلَى السَّرِقَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، وَلَمْ يَقُلْ : وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَلَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، وَزَادَ أَبُو الْأَسْوَدِ : عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ ، وَزَادَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ : قَالَ الْأَعْمَشُ : قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ وَهْبٍ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ : أَشْهَدُ لَحَدَّثَنِيهِ أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ . قَالَ الْأَعْمَشُ : وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ : إِنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ رِوَايَةِ حَفْصٍ : حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ ؛ أَيْ إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَهُ لِلْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ ، قَالَ : وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قِيلَ لَهُ : فَحَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ؟ فَقَالَ : مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ ، ثُمَّ قَالَ : اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ . قُلْتُ : فَلِهَذَا هُوَ سَاقِطٌ مِنْ مُعْظَمِ النُّسَخِ ، وَثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ ، وَأَوَّلَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ ، فَسَاقَهُ إِلَخْ .
وَرِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾فَقُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، فَأَعَدْتُ فَأَعَادَ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ : قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ لَهُ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْمُعْجَمِ ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، هَذَا غَيْرُ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ مَعْنَاهُ . قُلْتُ : وَهُمَا قِصَّتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ ، وَإِنِ اشْتَرَكَتَا فِي الْمَعْنَى الْأَخِيرِ وَهُوَ سُؤَالُ الصَّحَابِيِّ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، وَاشْتَرَكَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ رَغِمَ ، وَمِنَ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا وُقُوعُ الْمُرَاجَعَةِ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجِبْرِيلَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ دُونَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَلَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ طُرُقٌ أُخْرَى ، مِنْهَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ . وَمِنْهَا لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ بِلَفْظِ : مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ بْنِ ذُهْلٍ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ ، أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي ، فَقَالَ : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ ثَلَّثْتُ فَقَالَ : عَلَى رَغْمِ أَنْفِ عُوَيْمِرٍ فَرَدَّدَهَا ، قَالَ : فَأَنَا رَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَضْرِبُ أَنْفَهُ بِإِصْبَعِهِ .
وَمِنْهَا لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ وَاهِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيِّ : عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ : مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي الدَّرْدَاءِ . قَالَ : فَخَرَجْتُ لِأُنَادِيَ بِهَا فِي النَّاسِ ، فَلَقِيَنِي عُمَرُ فَقَالَ : ارْجِعْ ، فَإِنَّ النَّاسَ إِنْ يَعْلَمُوا بِهَذَا اتَّكَلُوا عَلَيْهَا ، فَرَجَعْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقَ عُمَرُ قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ الْأَخِيرَةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ جَاهَدَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - قَرِيبًا