حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ . فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ : بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا ، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ ؟ قَالَ : إِدَامُهُمْ بَالَامٌ وَنُونٌ . قَالُوا : وَمَا هَذَا ؟ قَالَ : ثَوْرٌ وَنُونٌ ، يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا .

الْحَدِيثُ الثَّانِي ، قَوْلُهُ : عَنْ خَالِدٍ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَى سَعِيدٍ ، وَمِنْهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ مَدَنِيُّونَ . قَوْلُهُ : تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي أَرْضَ الدُّنْيَا ( خُبْزَة ) بِضَمِّ الْخاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخُبْزَةُ الطُّلْمَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ عَجِينٌ يُوضَعُ فِي الْحُفْرَةِ بَعْدَ إِيقَادِ النَّارِ فِيهَا ، قَالَ : وَالنَّاسُ يُسَمُّونَهَا الْمَلَّةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، وَإِنَّمَا الْمَلَّةُ الْحُفْرَةُ نَفْسُهَا . قَوْلُهُ : يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ يَمِيلُهَا ، مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا قَلَّبْتُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَكْفَؤُهَا بِسُكُونِ الْكَافِ .

قَوْلُهُ : كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَعْنِي خُبْزَ الْمَلَّةِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمُسَافِرُ ، فَإِنَّهَا لَا تُدْحَى كَمَا تُدْحَى الرُّقَاقَةُ ، وَإِنَّمَا تُقَلَّبُ عَلَى الْأَيْدِي حَتَّى تَسْتَوِيَ ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ سُفْرَةٍ وَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْمُسَافِرِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ السُّفْرَةُ . قَوْلُهُ : نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ النُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ وَبِالزَّايِ وَقَدْ تُسَكَّنُ : مَا يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ وَلِلْعَسْكَرِ ، يُطْلَقُ عَلَى الرِّزْقِ وَعَلَى الْفَضْلِ ، وَيُقَالُ : أَصْلَحَ لِلْقَوْمِ نُزُلَهُمْ ، أَيْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغِذَاءِ ، وَعَلَى مَا يُعَجَّلُ لِلضَّيْفِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَهُوَ اللَّائِقُ هُنَا ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ سَيَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْمَحْشَرِ ، لَا أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَهَا حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يُخَالِفُهُ ، وَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً بَيْضَاءَ يَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ .

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَوْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ نَحْوَهُ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ : تُبَدَّلُ الْأَرْضُ مِثْلَ الْخُبْزَةِ يَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَفْرَغُوا مِنَ الْحِسَابِ . وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ نَحْوُهُ ، وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ ، عَنِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُشْكِلٌ جِدًّا لَا مِنْ جِهَةِ إِنْكَارِ صُنْعِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ ، بَلْ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ عَلَى قَلْبِ جِرْمِ الْأَرْضِ مِنَ الطَّبْعِ الَّذِي عَلَيْهِ إِلَى طَبْعِ الْمَطْعُومِ وَالْمَأْكُولِ ، مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الْآثَارِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ تَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا وَتَنْضَمُّ إِلَى جَهَنَّمَ ، فَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ خُبْزَةً وَاحِدَةً أَيْ كَخُبْزَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَعْتِهَا كَذَا وَكَذَا ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ يَعْنِي الْمَذْكُورَ بَعْدَهُ كَقُرْصَةِ النَّقِيَّ ، فَضَرَبَ الْمَثَلَ بِهَا لِاسْتِدَارَتِهَا وَبَيَاضِهَا ، فَضَرْبُ الْمَثَلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخُبْزَةٍ تُشْبِهُ الْأَرْضَ فِي مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا بَيَانُ الْهَيْئَةِ الَّتِي تَكُونُ الْأَرْضُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ ، وَالْآخَرُ بَيَانُ الْخُبْزَةِ الَّتِي يُهَيِّئُهَا اللَّهُ - تَعَالَى - نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَبَيَانُ عِظَمِ مِقْدَارِهَا ابْتِدَاعًا وَاخْتِرَاعًا . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ لِأَنَّهُ رَأَى الْحَدِيثَيْنِ فِي بَابِ الْحَشْرِ ، فَظَنَّ أَنَّهُمَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ بَابٍ ، وَحَدِيثُ سَهْلٍ مِنْ بَابٍ ، وَأَيْضًا فَالتَّشْبِيهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُشَارَكَةَ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ ، بَلْ يَكْفِي حُصُولُهُ فِي الْبَعْضِ ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ أَرْضَ الْحَشْرِ بِالْخُبْزَةِ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالْبَيَاضِ ، وَشَبَّهَ أَرْضَ الْجَنَّةِ فِي كَوْنِهَا نُزُلًا لِأَهْلِهَا وَمُهَيَّأَةً لَهُمْ تَكْرِمَةً بِعُجَالَةِ الرَّاكِبِ زَادَهُ يَقْنَعُ بِهِ فِي سَفَرِهِ .

قُلْتُ : آخِرُ كَلَامِهِ يُقَرِّرُ مَا قَالَ الْقَاضِي أَنَّ كَوْنَ أَرْضِ الدُّنْيَا تَصِيرُ نَارًا مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَأَنَّ كَوْنَهَا تَصِيرُ خُبْزَةً يَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الْمَوْقِفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ ، وَالْآثَارُ الَّتِي أَوْرَدْتُهَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ ، وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ ، وَقُدْرَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - صَالِحَةٌ لِذَلِكَ ، بَلِ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَبْلَغُ وَكَوْنُ أَهْلِ الدُّنْيَا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَاقَبُونَ بِالْجُوعِ فِي طُولِ زَمَانِ الْمَوْقِفِ ، بَلْ يَقْلِبُ اللَّهُ لَهُمْ بِقُدْرَتِهِ طَبْعَ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْهَا مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ بِغَيْرِ عِلَاجٍ وَلَا كُلْفَةٍ ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ أَيِ الَّذِينَ يَصِيرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ أَعَمَّ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ يَقَعُ بَعْدَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا أَوْ قَبْلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : فَأَتَى رَجُلٌ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَتَاهُ . قَوْلُهُ : مِنَ الْيَهُودِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ .

قَوْلُهُ : فَنَظَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ ) يُرِيدُ أَنَّهُ أَعْجَبَهُ إِخْبَارُ الْيَهُودِيِّ عَنْ كِتَابِهِمْ بِنَظِيرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ بِمُوَافَقَتِهِمْ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ نَاجِذٍ وَهُوَ آخِرُ الْأَضْرَاسِ ، وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ ، وَتُطْلَقُ النَّوَاجِذُ أَيْضًا عَلَى الْأَنْيَابِ وَالْأَضْرَاسِ . قَوْلُهُ : ثُمَّ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالَ .

قَوْلُهُ : أَلَا أُخْبِرُكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَلَا أُخْبِرُكُمْ . قَوْلُهُ : بِإِدَامِهِمْ أَيْ مَا يُؤْكَلُ بِهِ الْخُبْزُ . قَوْلُهُ : ( بَالَامٌ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَقَوْلُهُ وَنُونٌ أَيْ بِلَفْظِ أَوَّلِ السُّورَةِ .

قَوْلُهُ : ( قَالُوا ) أَيِ الصَّحَابَةُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالُوا . قَوْلُهُ : مَا هَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَا هَذَا بِزِيَادَةِ وَاوٍ . قَوْلُهُ : قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا رَوَوْهُ لَنَا ، وَتَأَمَّلْتُ النُّسَخَ الْمَسْمُوعَةَ مِنَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ ، وَالْفَرَبْرِيِّ فَإِذَا كُلُّهَا عَلَى نَحْوٍ وَاحِدٍ .

قُلْتُ : وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَأَمَّا نُونٌ فَهُوَ الْحُوتُ عَلَى مَا فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا بَالَامٌ فَدَلَّ التَّفْسِيرُ مِنَ الْيَهُودِيِّ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلثَّوْرِ ، وَهُوَ لَفْظٌ مُبْهَمٌ لَمْ يَنْتَظِمْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّفْرِقَةِ اسْمًا لِشَيْءٍ ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ أَرَادَ أَنْ يُعَمِّيَ الِاسْمَ فَقَطَعَ الْهِجَاءَ وَقَدَّمَ أَحَدَ الْحَرْفَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْهِجَاءِ لَامٌ يَاءٌ هِجَاءٌ لَأَى بِوَزْنِ لَعَى وَهُوَ الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ ، وَجَمْعُهُ آلَاءٌ بِثَلَاثِ هَمَزَاتٍ وَزْنُ أَحْبَالٍ فَصَحَّفُوهُ فَقَالُوا : بَالَامٌ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَكَتَبُوهُ بِالْهِجَاءِ فَأَشْكَلَ الْأَمْرُ ، هَذَا أَقْرَبُ مَا يَقَعُ لِي فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِمْ ، وَأَكْثَرُ الْعِبْرَانِيَّةِ فِيمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مَقْلُوبٌ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ بِتَقْدِيمٍ فِي الْحُرُوفِ وَتَأْخِيرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : أَوْرَدَ الْحُمَيْدِيُّ فِي اخْتِصَارِهِ يَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ بِاللَّأَى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَلِفِ وَصْلٍ وَلَامٍ ثَقِيلَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ خَفِيفَةٌ بِوَزْنِ الرَّحَى ، وَاللَّأَى الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ ، قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا رَوَاهُ كَذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ مِنْ إِصْلَاحِهِ ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا بَقِيَتِ الْمِيمُ زَائِدَةً إِلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّهَا حُرِّفَتْ عَنِ الْيَاءِ الْمَقْصُورَةِ ، قَالَ : وَكُلُّ هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ ، قَالَ : وَأَوْلَى مَا يُقَالُ فِي هَذَا أَنْ تَبْقَى الْكَلِمَةُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا عِبْرَانِيَّةٌ ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ الصَّحَابَةُ الْيَهُودِيَّ عَنْ تَفْسِيرِهَا ، وَلَوْ كَانَ اللَّأَى لَعَرَفُوهَا ، لِأَنَّهَا مِنْ لِسَانِهِمْ ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِهَذَا فَقَالَ : هِيَ لَفَظَّةٌ عِبْرَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا ثَوْرٌ . قَوْلُهُ : يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا قَالَ عِيَاضٌ : زِيَادَةُ الْكَبِدِ وَزَائِدَتُهَا هِيَ الْقِطْعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا ، وَهِيَ أَطْيَبُهُ ، وَلِهَذَا خُصَّ بِأَكْلِهَا السَّبْعُونَ أَلْفًا ، وَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فُضِّلُوا بِأَطْيَبِ النُّزُلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالسَّبْعِينَ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ ، وَلَمْ يُرِدِ الْحَصْرَ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ قُبَيْلَ الْمَغَازِي فِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّ أَوَّلَ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ ، وَأَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ تُحْفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ .

وَفِيهِ : غِذَاؤُهُمْ عَلَى أَثَرِهَا أَنْ يُنْحَرَ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا . وَفِيهِ : وَشَرَابُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ : أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا : إِنَّ لِكُلِّ ضَيْفٍ جَزُورًا ، وَإِنِّي أَجْزُرُكُمُ الْيَوْمَ حُوتًا وَثَوْرًا ، فَيُجْزَرُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث