بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ قَالَ : الْوُصُلَاتُ فِي الدُّنْيَا . 6531 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾قَالَ : يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ فِي الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيُوفُونَ الْكَيْلَ ، فَقَالَ : وَمَا يَمْنَعُهُمْ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾قَالَ إِنَّ الْعَرَقَ لَيَبْلُغُ أَنْصَافَ آذَانِهِمْ مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَأَوْرَدَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَرْفُوعَ فِي مَعْنَاهُ ، وَأَصْلُ الْبَعْثِ إِثَارَةُ الشَّيْءِ عَنْ جَفَاءٍ وَتَحْرِيكُهُ عَنْ سُكُونٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا إِحْيَاءُ الْأَمْوَاتِ وَخُرُوجُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَنَحْوُهَا إِلَى حُكْمِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
قَوْلُهُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ قَالَ : الْوُصُلَاتُ فِي الدُّنْيَا بِضَمِّ الْوَاوِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَبِضَمِّهَا وَبِسُكُونِهَا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْأَسْبَابُ هِيَ الْوُصُلَاتُ الَّتِي كَانُوا يَتَوَاصَلُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَاحِدَتُهَا وَصْلَةٌ ، وَهَذَا الْأَثَرُ لَمْ أَظْفَرْ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْمَوَدَّةُ ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى . وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْمَنَازِلُ ، وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : يَعْنِي أَسْبَابُ النَّدَامَةِ ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَسْبَابُ الْأَرْحَامُ ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ .
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ : تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَرْحَامُ ، وَتَفَرَّقَتْ بِهِمُ الْمَنَازِلُ فِي النَّارِ . وَوَرَدَ بِلَفْظِ التَّوَاصُلِ وَالْمُوَاصَلَةِ أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورُونَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : تَوَاصُلُهُمْ فِي الدُّنْيَا . وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : تَوَاصُلٌ كَانَ بَيْنَهُمْ بِالْمَوَدَّةِ فِي الدُّنْيَا .
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، وَلِعَبْدٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الْأَسْبَابُ الْمُوَاصَلَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَتَوَاصَلُونَ بِهَا وَيَتَحَابُّونَ فَصَارَتْ عَدَاوَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : هُوَ الْوَصْلُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا . وَلِعَبْدٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : الْأَعْمَالُ ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ ، عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُتَسَبَّبُ بِهِ إِلَى طُلْبَةٍ وَحَاجَةٍ فَيُقَالُ لِلْحَبْلِ سَبَبٌ ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْحَاجَةِ الَّتِي يُتَعَلَّقُ بِهِ إِلَيْهَا ، وَلِلطَّرِيقِ سَبَبٌ لِلتَّسَبُّبِ بِرُكُوبِهِ إِلَى مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِقَطْعِهِ ، وَلِلْمُصَاهَرَةِ سَبَبٌ لِلْحُرْمَةِ ، وَلِلْوَسِيلَةِ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ بِهَا إِلَى الْحَاجَةِ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : السَّبَبُ : الْحَبْلُ ، وَسُمِّيَ كُلُّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى شَيْءٍ سَبَبًا وَمِنْهُ : لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ أَيْ أَصِلُ إِلَى الْأَسْبَابِ الْحَادِثَةِ فِي السَّمَاءِ ، فَأَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَدَّعِيهِ مُوسَى ، وَيُسَمَّى الْعِمَامَةُ وَالْخِمَارُ وَالثَّوْبُ الطَّوِيلُ سَبَبًا تَشْبِيهًا بِالْحَبْلِ ، وَكَذَا مَنْهَجُ الطَّرِيقِ لِشَبَهِهِ بِالْحَبْلِ ، وَبِالثَّوْبِ الْمَمْدُودِ أَيْضًا ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ : عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾قَالَ : يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَالرَّشْحُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهُمَا مُهْمَلَةٌ هُوَ الْعَرَقُ شُبِّهَ بِرَشْحِ الْإِنَاءِ لِكَوْنِهِ يَخْرُجُ مِنَ الْبَدَنِ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَرَقَ يَحْصُلُ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنْ نَفْسِهِ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَرَقِهِ فَقَطْ ، أَوْ مِنْ عَرَقِهِ وَعَرَقِ غَيْرِهِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عَرَقَ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ بِقَدْرِ خَوْفهِ مِمَّا يُشَاهِدُهُ مِنَ الْأَهْوَالِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عَرَقَهُ وَعَرَقَ غَيْرِهِ فَيُشَدَّدُ عَلَى بَعْضٍ وَيُخَفَّفُ عَلَى بَعْضٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِتَزَاحُمِ النَّاسِ وَانْضِمَامِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ الْعَرَقُ يَجْرِي سَائِحًا فِي وَجْهِ الْأَرْضِ كَالْمَاءِ فِي الْوَادِي بَعْدَ أَنْ شَرِبَتْ مِنْهُ الْأَرْضُ ، وَغَاصَ فِيهَا سَبْعِينَ ذِرَاعًا .
قُلْتُ : وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا وَقَفُوا فِي الْمَاءِ الَّذِي عَلَى أَرْضٍ مُعْتَدِلَةٍ كَانَتْ تَغْطِيَةُ الْمَاءِ لَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ ، لَكِنَّهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ تَفَاوَتُوا فَكَيْفَ يَكُونُ الْكُلُّ إِلَى الْأُذُنِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَوَارِقِ الْوَاقِعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِمَنْ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُذُنَيْهِ إِلَى غَايَةِ مَا يَصِلُ الْمَاءُ ، وَلَا يَنْفِي أَنْ يَصِلَ الْمَاءُ لِبَعْضِهِمْ إِلَى دُونِ ذَلِكَ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَعْرَقُ النَّاسُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ عَقِبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ نِصْفَ سَاقِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ رُكْبَتَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ فَخِذَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ خَاصِرَتَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ مَنْكِبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ فَاهُ ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَأَلْجَمَهَا فَاهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَلَيْسَ بِتَمَامِهِ وَفِيهِ : تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ ، فَتكُونُ النَّاسُ عَلَى مِقْدَارِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ يَسْتَوُونَ فِي وُصُولِ الْعَرَقِ إِلَيْهِمْ ، وَيَتَفَاوَتُونَ فِي حُصُولِهِ فِيهِمْ . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾قَالَ : مِقْدَارُ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، فَيَهُونُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَتَدَلِّي الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُحْشَرُ النَّاسُ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ .