بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
حَدَّثَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا ، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ . قَوْلُهُ : يَعْرَقُ النَّاسُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهِيَ مَكْسُورَةٌ فِي الْمَاضِي .
قَوْلُهُ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَان سَبْعِينَ بَاعَا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ ثَوْرٍ ، وَإِنَّهُ لَيَبْلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ شَكَّ ثَوْرٌ ، وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ الَّذِي يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ الْكَافِرُ . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْهُ قَالَ : يَشْتَدُّ كَرْبُ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى يُلْجِمَ الْكَافِرَ الْعَرَقُ ، قِيلَ لَهُ : فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ ؟ قَالَ : عَلَى الْكَرَاسِيِّ مِنْ ذَهَبٍ ، وَيُظَلِّلُ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ . وَبِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : الشَّمْسُ فَوْقَ رُءُوسِ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَعْمَالُهُمْ تُظِلُّهُمْ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ ، وَاللَّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : تُعْطَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَرَّ عَشْرِ سِنِينَ ، ثُمَّ تُدْنَى مِنْ جَمَاجِمِ النَّاسِ حَتَّى تَكُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ ، فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَرْشَحَ الْعَرَقُ فِي الْأَرْضِ قَامَةً ، ثُمَّ تَرْتَفِعُ حَتَّى يُغَرْغِرَ الرَّجُلُ . زَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رِوَايَتِهِ وَلَا يَضُرُّ حَرُّهَا يَوْمَئِذٍ مُؤْمِنًا وَلَا مُؤْمِنَةً . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْمُرَادُ مَنْ يَكُونُ كَامِلَ الْإِيمَانِ ؛ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمِقْدَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَالْبَيْهَقِيِّ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفِيضُ عَرَقًا حَتَّى يَسِيحَ فِي الْأَرْضِ قَامَةً ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَتَّى يَبْلُغَ أَنْفَهُ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَصَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ : يَا رَبِّ ، أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ . وَلِلْحَاكِمِ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْمَوْقِفِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ وَالْمِقْدَادِ يَقَعُ مِثْلُهُ لِمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ ، فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ : إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ : إِلَى حِقْوَيْهِ - وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذْهُ إِلَى عُنُقِهِ . وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّارُ فِيهِ مَجَازًا عَنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ النَّاشِئِ عَنِ الْعَرَقِ فَيَتَّحِدُ الْمَوْرِدَانِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ .
فَإِنَّ أَحْوَالَهُمْ فِي التَّعْذِيبِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّهُمْ فِي الْغَمَرَاتِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَعْمِيمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، وَلَكِنْ دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْبَعْضِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ ، وَيُسْتَثْنَى الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَأَشَدُّهُمْ فِي الْعَرَقِ الْكُفَّارُ ، ثُمَّ أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَالْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي حَدِيثِ بَعْثِ النَّارِ ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَعَارَفِ ، وَقِيلَ : هُوَ الذِّرَاعُ الْمَلَكِيُّ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْحَالَةَ الْمَذْكُورَةَ عَرَفَ عِظَمَ الْهَوْلِ فِيهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّارَ تَحُفُّ بِأَرْضِ الْمَوْقِفِ ، وَتُدْنَى الشَّمْسُ مِنَ الرُّءُوسِ قَدْرَ مِيلٍ ، فَكَيْفَ تَكُونُ حَرَارَةُ تِلْكَ الْأَرْضِ ، وَمَاذَا يَرْوِيهَا مِنَ الْعَرَقِ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهَا سَبْعِينَ ذِرَاعًا مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَجِدُ إِلَّا قَدْرَ مَوْضِعِ قَدَمِهِ ، فَكَيْفَ تَكُونُ حَالَةُ هَؤُلَاءِ فِي عَرَقِهِمْ مَعَ تَنَوُّعِهِمْ فِيهِ ، إِنَّ هَذَا لَمِمَّا يَبْهَرُ الْعُقُولَ وَيَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَيَقْتَضِي الْإِيمَانَ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ أَنْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهَا مَجَالٌ ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهَا بِعَقْلٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا عَادَةٍ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْقَبُولِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ ، وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ دَلَّ عَلَى خُسْرَانِهِ وَحِرْمَانِهِ . وَفَائِدَةُ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ أَنْ يَتَنَبَّهَ السَّامِعُ فَيَأْخُذَ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي تُخَلِّصُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَالِ ، وَيُبَادِرَ إِلَى التَّوْبَةِ مِنَ التَّبِعَاتِ ، وَيَلْجَأَ إِلَى الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ فِي عَوْنِهِ عَلَى أَسْبَابِ السَّلَامَةِ ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ فِي سَلَامَتِهِ مِنْ دَارِ الْهَوَانِ ، وَإِدْخَالِهِ دَارَ الْكَرَامَةِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .