حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

بَاب الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهِيَ الْحَاقَّةُ لِأَنَّ فِيهَا الثَّوَابَ وَحَوَاقَّ الْأُمُورِ الْحَقَّةُ وَالْحَاقَّةُ وَاحِدٌ وَالْقَارِعَةُ وَالْغَاشِيَةُ وَالصَّاخَّةُ وَالتَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ 6533 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ في الدِّمَاءِ . قَوْلُهُ : بَابُ الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقِصَاصُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِمُهْمَلَتَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَصِّ وَهُوَ الْقَطْعُ ، أَوْ مِنِ اقْتِصَاصِ الْأَثَرِ وَهُوَ تَتَبُّعُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَصَّ يَتَتَبَّعُ جِنَايَةَ الْجَانِي لِيَأْخُذَ مِثْلَهَا ، يُقَالُ اقْتَصَّ مِنْ غَرِيمِهِ وَاقْتَصَّ الْحَاكِمُ لِفُلَانٍ مِنْ فُلَانٍ . قَوْلُهُ : وَهِيَ الْحَاقَّةُ الضَّمِيرُ لِلْقِيَامَةِ .

قَوْلُهُ : لِأَنَّ فِيهَا الثَّوَابَ ؛ وَحَوَاقَّ الْأُمُورِ الْحَقَّةُ وَالْحَاقَّةُ وَاحِدٌ هَذَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْفَرَّاءِ ، قَالَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ الْحَاقَّةُ الْقِيَامَةُ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهَا الثَّوَابَ وَحَوَاقَّ الْأُمُورِ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْحَقَّةُ وَالْحَاقَّةُ كِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ الطَّبَرِيُّ : سُمِّيَتِ الْحَاقَّةَ لِأَنَّ الْأُمُورَ تَحِقُّ فِيهَا ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : لَيْلٌ قَائِمٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ : سُمِّيَتِ الْحَاقَّةَ لِأَنَّهَا أَحَقَّتْ لِقَوْمٍ الْجَنَّةَ وَلِقَوْمٍ النَّارَ ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا تُحَاقِقُ الْكُفَّارَ الَّذِينَ خَالَفُوا الْأَنْبِيَاءَ ، يُقَالُ حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أَيْ خَاصَمْتُهُ فَخَصَمْتُهُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَالْقَارِعَةُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَاقَّةِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْرَعُ الْقُلُوبَ بِأَهْوَالِهَا .

قَوْلُهُ : ( وَالْغَاشِيَةُ ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ بِأَفْزَاعِهَا أَيْ تَعُمُّهُمْ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَالصَّاخَّةُ ) قَالَ الطَّبَرِيُّ : أَظُنُّهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا أَصَمَّهُ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ مُسْمِعَةٌ لِأُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَمُصِمَّةٌ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ، وَتُطْلَقُ الصَّاخَّةُ أَيْضًا عَلَى الدَّاهِيَةِ . قَوْلُهُ : التَّغَابُنُ غَبَنَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ غَبَنَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ الْأَشْقِيَاءِ الَّتِي كَانَتْ أُعِدَّتْ لَهُمْ لَوْ كَانُوا سُعَدَاءَ ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّغَابُنُ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنَّهُ ذُكِرَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَقَدِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ ، وَجَمَعَهَا الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ فَبَلَغَتْ نَحْوَ الثَّمَانِينَ اسْمًا ، فَمِنْهَا يَوْمُ الْجَمْعِ ، وَيَوْمُ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ ، وَيَوْمُ التَّنَادِ ، وَيَوْمُ الْوَعِيدِ ، وَيَوْمُ الْحَسْرَةِ ، وَيَوْمُ التَّلَاقِ ، وَيَوْمُ الْمَآبِ ، وَيَوْمُ الْفَصْلِ ، وَيَوْمُ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ ، وَيَوْمُ الْخُرُوجِ ، وَيَوْمُ الْخُلُودِ ، وَمِنْهَا يَوْمٌ عَظِيمٌ ، وَيَوْمٌ عَسِيرٌ ، وَيَوْمٌ مَشْهُودٌ ، وَيَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ ، وَمِنْهَا ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ، وَمِنْهَا يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ، وَيَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ، وَيَوْمٌ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ، وَيَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ، وَيَوْمَ لَا يَنْطِقُونَ ، وَ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، وَيَوْمَ لَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، وَيَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ، وَيَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ، وَيَوْمٌ لَا رَيْبَ فِيهِ ، فَإِذَا ضُمَّتْ هَذِهِ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ اسْمًا مُعْظَمُهَا ، وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِهِ ، وَسَائِرُ الْأَسْمَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا أُخِذَتْ بِطَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ بِمَا وَرَدَ مَنْصُوصًا كَيَوْمِ الصَّدْرِ مِنْ قَوْلِهِ : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا وَيَوْمِ الْجِدَالِ مِنْ قَوْلِهِ : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَلَوْ تُتُبِّعَ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ زَادَ عَلَى مَا ذُكِرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدَهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالسَّنَدُ إِلَيْهِ كُوفِيُّونَ ، وَشَقِيقٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الدِّمَاءُ وَسَيَأْتِي كَالْأَوَّلِ فِي الدِّيَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَلِمُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ : بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ أَيِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْمَعْنَى أَوَّلُ الْقَضَايَا الْقَضَاءُ فِي الدِّمَاءِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ الْأَمْرُ الْكَائِنُ فِي الدِّمَاءِ ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَامَلَاتِ الْخَلْقِ ، وَالثَّانِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعِبَادَةِ الْخَالِقِ ، وَقَدْ جَمَعَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ وَلَفْظُهُ : أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةِ بِأَخَصَّ مِمَّا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي هُوَ وَرَفِيقَاهُ حَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ وَخُصُومُهُمْ عُتْبَةُ ، وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : فِيهِمْ نَزَلَتْ : هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ الْآيَةَ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ ، وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ ، وَيَأْتِي كُلُّ قَتِيلٍ قَدْ حَمَلَ رَأْسَهُ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي الْحَدِيثَ ، وَفِي حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : يَأْتِي الْمَقْتُولُ مُعَلِّقًا رَأْسَهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ مُلَبِّبًا قَاتِلَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا حَتَّى يَقِفَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ الْحَدِيثَ ، وَنَحْوُهُ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْقِصَاصِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَيُعْلَمُ مِنَ الْحَدِيثِ الثَّانِي ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ عِظَمُ أَمْرِ الدَّمِ ، فَإِنَّ الْبُدَاءَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَهَمِّ وَالذَّنْبُ يَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ ، وَتَفْوِيتِ الْمَصْلَحَةِ ، وَإِعْدَامُ الْبِنْيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ غَايَةٌ فِي ذَلِكَ .

وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّغْلِيظِ فِي أَمْرِ الْقَتْلِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَآثَارٌ شَهِيرَةٌ يَأْتِي بَعْضُهَا فِي أَوَّلِ الدِّيَاتِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث