حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَقَوْلِهِ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ

بَاب الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ ، وَقَوْلِهِ : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ 6692 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ ؟ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ ) ، أَيْ : حُكْمُهُ أَوْ فَضْلُهُ قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَفَاءَ بِهِ قُرْبَةٌ لِلثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ ، لَكِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قَالَ : إِذَا نَذَرُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : النَّذْرُ مِنَ الْعُقُودِ الْمَأْمُورِ بِالْوَفَاءِ بِهَا الْمُثْنَى عَلَى فَاعِلِهَا ، وَأَعْلَى أَنْوَاعِهِ مَا كَانَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ عَلَى شَيْءٍ كَمَنْ يُعَافَى مِنْ مَرَضٍ ، فَقَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا أَوْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَيَلِيهِ الْمُعَلَّقُ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ ، كَإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي صُمْتُ كَذَا أَوْ صَلَّيْتُ كَذَا ، وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ أَنْوَاعِهِ كَنَذْرِ اللَّجَاجِ كَمَنْ يَسْتَثْقِلُ عَبْدَهُ فَيَنْذُرُ أَنْ يُعْتِقَهُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ صُحْبَتِهِ فَلَا يَقْصِدُ الْقُرْبَةَ بِذَلِكَ ، أَوْ يَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَنْذُرُ صَلَاةً كَثِيرَةً أَوْ صَوْمًا مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَيَتَضَرَّرُ بِفِعْلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ ، وَقَدْ يَبْلُغُ بَعْضُهُ التَّحْرِيمَ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ) هُوَ الْوُحَاظِيُّ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ . قَوْلُهُ ( سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ . قَوْلُهُ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ ؟ كَذَا فِيهِ ، وَكَأَنَّهُ اخْتَصَرَ السُّؤَالَ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْجَوَابِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ ، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَا : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، فَأَتَاهُ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّ ابْنِي كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ بِأَرْضِ فَارِسٍ فَوَقَعَ فِيهَا وَبَاءٌ وَطَاعُونٌ شَدِيدٌ ، فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي ، لَئِنْ سَلَّمَ اللَّهُ ابْنِي لَيَمْشِيَنَّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَدِمَ عَلَيْنَا وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ فَمَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ ؟ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ ، وَزَادَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ .

وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ : فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّمَا نَذَرْتُ أَنْ يَمْشِيَ ابْنِي ، فَقَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ : فَقُلْتُ لَهُ : أَتَعْرِفُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ لَهُ : اذْهَبْ إِلَيْهِ ، ثُمَّ أَخْبِرْنِي مَا قَالَ لَكَ ، قَالَ : فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ : امْشِ عَنِ ابْنِكَ .

قُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، وَتَرَى ذَلِكَ مَقْبُولًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى ابْنِكَ دَيْنٌ لَا قَضَاءَ لَهُ فَقَضَيْتَهُ أَكَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَهَذَا مِثْلُ هَذَا انْتَهَى . وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ كُنْيَةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ مُتَابِعًا لِفُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ بِتَمَامِهِ ، وَلَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ ، وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لَهُ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ . قَالَ لَهُ الرَّجُلُ : إِنَّمَا نَذَرْتُ أَنْ يَمْشِيَ ابْنِي وَإِنَّ ابْنِي قَدْ مَاتَ ، فَقَالَ لَهُ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ ، كَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ .

قَالَ سَعِيدٌ : فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ : انْطَلِقْ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَسِيَاقُ الْحَاكِمِ نَحْوُهُ وَأَخْصَرُ مِنْهُ وَقَدْ وَهِمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ كَمَا تَرَى لَكِنِ اخْتَصَرَ الْقِصَّةَ لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً . وَهَذَا الْفَرْعُ غَرِيبٌ ، وَهُوَ أَنْ يَنْذُرَ عَنْ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ الْغَيْرَ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ إِذَا تَعَذَّرَ لَزِمَ النَّاذِرُ . وَقَدْ كُنْتُ أَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الِابْنَ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَالْتَزَمَ بِهِ ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ أَمَرَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدٌ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِهِ كَمَا يَفْعَلُ سَائِرَ الْقُرَبِ عَنْهُ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا عِنْدَهُمَا بِمَا يَقَعُ مِنَ الْوَالِدِ فِي حَقِّ وَلَدِهِ فَيُعْقَدُ لِوُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَفِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَرْفُوعَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ ، لَكِنْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ التَّصْرِيحُ ، فَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّذْرِ ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنِ النَّذْرِ ، وَجَاءَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ الصَّرِيحَةِ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : لَا تَنْذُرُوا .

قَوْلُهُ : لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ : لَا يَرُدُّ شَيْئًا . وَهِيَ أَعَمُّ وَنَحْوُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا : فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا . وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ : لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ .

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَهُ : لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ ، وَمَعَانِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ مُتَقَارِبَةٌ ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى تَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا النَّهْيِ : فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : تَكَرَّرَ النَّهْيُ عَنِ النَّذْرِ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِهِ وَتَحْذِيرٌ عَنِ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرَ عَنْهُ حَتَّى لَا يَفْعَلَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ حُكْمِهِ وَإِسْقَاطُ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذْ كَانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً فَلَا يَلْزَمُ ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجُرُّ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضُرًّا وَلَا يُغَيِّرُ قَضَاءً ، فَقَالَ : لَا تَنْذُرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ ، أَوْ تَصْرِفُوا بِهِ عَنْكُمْ مَا قَدَّرَهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِذَا نَذَرْتُمْ فَاخْرُجُوا بِالْوَفَاءِ ؛ فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمْ .

انْتَهَى كَلَامُهُ . وَنَسَبَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ لِلْخَطَّابِيِّ ، وَأَصْلُهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ ، فَقَالَ : كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ : وَجْهُ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ وَالتَّشْدِيدِ فِيهِ لَيْسَ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَأْثَمًا ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُوَفَّى بِهِ وَلَا حَمِدَ فَاعِلَهُ ، وَلَكِنَّ وَجْهَهُ عِنْدِي تَعْظِيمُ شَأْنِ النَّذْرِ وَتَغْلِيظُ أَمْرِهِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِهِ ، فَيُفَرَّطَ فِي الْوَفَاءِ بِهِ وَيُتْرَكَ الْقِيَامُ بِهِ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمَازِرِيُّ بِقَوْلِهِ : ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ الْغَرَضَ بِهَذَا الْحَدِيثِ التَّحَفُّظُ فِي النَّذْرِ وَالْحَضُّ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ ، قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاذِرَ يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ مُسْتَثْقِلًا لَهَا لَمَّا صَارَتْ عَلَيْهِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ ، وَكُلُّ مَلْزُومٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْشَطُ لِلْفِعْلِ نَشَاطَ مُطْلَقِ الِاخْتِيَارِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَنَّ النَّاذِرَ لَمَّا لَمْ يَنْذُرِ الْقُرْبَةَ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ لَهُ مَا يُرِيدُ صَارَ كَالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي تَقْدَحُ فِي نِيَّةِ الْمُتَقَرِّبِ .

قَالَ : وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ : إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ ، وَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ ، ا هـ . وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَعُمُّ أَنْوَاعَ النَّذْرِ ، وَالثَّانِي يَخُصُّ نَوْعَ الْمَجَازَاتِ . وَزَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَيُقَالُ : إِنَّ الْإِخْبَارَ بِذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَالِبُ الْقَدَرَ ، وَلَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِسَبَبِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ اعْتِقَادِ خِلَافِ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي ظَنِّ بَعْضِ الْجَهَلَةِ .

قَالَ : وَمُحَصَّلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ مُبَاحٌ إِلَّا إِذَا كَانَ مُؤَبَّدًا لِتَكَرُّرِهِ عَلَيْهِ فِي أَوْقَاتٍ ، فَقَدْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَيَفْعَلُهُ بِالتَّكَلُّفِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ وَغَيْرِ خَالِصِ النِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ . قَالَ : وَهَذَا أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِ قَوْلِهِ : لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، أَيْ : إِنَّ عُقْبَاهُ لَا تُحْمَدُ ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِخَيْرٍ لَمْ يُقَدَّرْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ صَدَّرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَلَامَهُ فَقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَأْتِي بِسَبَبِ خَيْرٍ فِي نَفْسِ النَّاذِرِ وَطَبْعِهِ فِي طَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَيْرٌ وَهُوَ فِعْلُ الطَّاعَةِ الَّتِي نَذَرَهَا ، لَكِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْخَيْرِ حُصُولُ غَرَضِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، أَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى .

( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : لَا يَأْتِي ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : لَا يَأْتِ بِغَيْرِ يَاءٍ وَلَيْسَ بِلَحْنٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ سُمِعَ نَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْأَعْلَامِ : هَذَا بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ غَرِيبٌ ، وَهُوَ أَنْ يُنْهَى عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فُعِلَ كَانَ وَاجِبًا ، وَقَدْ ذَكَرَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ - وَنَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - أَنَّ النَّذْرَ مَكْرُوهٌ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُمُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى الْخِلَافِ عَنْهُمْ وَالْجَزْمِ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ ، قَالَ : وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ طَاعَةً مَحْضَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ خَالِصُ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا ضَرَرًا بِمَا الْتَزَمَهُ وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِالْكَرَاهَةِ ، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ فِي أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّتِهَا . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ كَرَاهَةَ النَّذْرِ وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ ، كَرِهُوا النَّذْرَ .

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَعْنَى الْكَرَاهَةِ فِي النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ وَفِي الْمَعْصِيَةِ ، فَإِنْ نَذَرَ الرَّجُلُ فِي الطَّاعَةِ فَوَفَّى بِهِ فَلَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَيُكْرَهُ لَهُ النَّذْرُ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَفِيهِ إِشْكَالٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى الطَّاعَةِ طَاعَةٌ ، كَمَا أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ ، وَالنَّذْرُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ . ثُمَّ أَشَارَ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ ، فَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ نَذْرِ الِابْتِدَاءِ فَهُوَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ : الْقِيَاسُ اسْتِحْبَابُهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ، كَذَا قَالَ ، وَنُوزِعَ بِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى مَا انْدَرَجَ فِي عُمُومِ نَهْيٍ ، وَالْمَكْرُوهُ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ النَّذْرِ بِخُصُوصِهِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا ، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِمَّنِ انْطَلَقَ لِسَانُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مَعَ ثُبُوتِ الصَّرِيحِ عَنْهُ فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، وَمِمَّنْ بَنَى عَلَى اسْتِحْبَابِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، فَقَالَ : إِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنَّذْرِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُنَاجَاةٌ لِلَّهِ فَأَشْبَهَ الدُّعَاءَ ، ا هـ . وَإِذَا ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ مُطْلَقًا فَتَرْكُ فِعْلِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْلَى فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا ، وَأَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ هَؤُلَاءِ نَذْرُ التَّبَرُّرِ الْمَحْضِ بِأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ عَلَى الْمُجَازَاةِ ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ الْقِيَامِ بِمَا الْتَزَمَهُ ، حَكَاهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَلِمَا نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ كَرَاهَةَ النَّذْرِ وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْمُتَوَلِّي بَعْدَهُ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى مَنْ وَفَّى بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْقُرْبَةِ فَيَكُونُ قُرْبَةً ، قَالَ : يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فَيُقَالُ : الَّذِي دَلَّ الْخَبَرُ عَلَى كَرَاهَتِهِ نَذْرُ الْمُجَازَاةِ ، وَأَمَّا نَذْرُ التَّبَرُّرِ فَهُوَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ ; لِأَنَّ لِلنَّاذِرِ فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا ، وَهُوَ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ ، وَهُوَ فَوْقَ ثَوَابِ التَّطَوُّعِ ، ا هـ . وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِحَمْلِ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنَ النَّهْيِ عَلَى نَذْرِ الْمُجَازَاةِ ، فَقَالَ : هَذَا النَّهْيُ مَحَلُّهُ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا : إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَدَقَةُ كَذَا ، وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ فِعْلَ الْقُرْبَةِ الْمَذْكُورَ عَلَى حُصُولِ الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ لَهُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِمَا صَدَرَ مِنْهُ ، بَلْ سَلَكَ فِيهَا مَسْلَكَ الْمُعَارضَةِ ، وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْفِ مَرِيضَهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِمَا عَلَّقَهُ عَلَى شِفَائِهِ ، وَهَذِهِ حَالَةُ الْبَخِيلِ ، فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا إِلَّا بِعِوَضٍ عَاجِلٍ يَزِيدُ عَلَى مَا أَخْرَجَ غَالِبًا ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ : إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُخْرِجُهُ ، قَالَ : وَقَدْ يَنْضَمُّ إِلَى هَذَا اعْتِقَادُ جَاهِلٍ يَظُنُّ أَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ حُصُولَ ذَلِكَ الْغَرَضِ ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَعَهُ ذَلِكَ الْغَرَضَ لِأَجْلِ ذَلِكَ النَّذْرِ ، وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا : فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَالْحَالَةُ الْأُولَى تُقَارِبُ الْكُفْرَ ، وَالثَّانِيَةُ خَطَأٌ صَرِيحٌ .

قُلْتُ : بَلْ تَقْرُبُ مِنَ الْكُفْرِ أَيْضًا . ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ حَمْلَ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالَ : الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ ، فَيَكُونُ إِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ ، ا هـ . وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ ، فَإِنَّهَا فِي نَذْرِ الْمُجَازَاةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قَالَ : كَانُوا يَنْذُرُونَ طَاعَةَ اللَّهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ أَبْرَارًا ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ وَقَعَ فِي غَيْرِ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَمَزَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِذَلِكَ ، وَقَدْ يُشْعِرُ التَّعْبِيرَ بِالْبَخِيلِ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنَ النَّذْرِ مَا فِيهِ مَالٌ فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ الْمُجَازَاةِ ، لَكِنْ قَدْ يُوصَفُ بِالْبُخْلِ مَنْ تَكَاسَلَ عَنِ الطَّاعَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ .

ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِ الْمُجَازَاةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ - تَعَالَى - فَلْيُطِعْهُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُعَلَّقِ وَغَيْرِهِ ، انْتَهَى . وَالِاتِّفَاقُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ ، لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ الْمُعَلَّقِ نَظَرٌ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ بَابٍ قوله : وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ ، يَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي بَعْدَ بَيَانِ الْمُرَادِ بِالِاسْتِخْرَاجِ الْمَذْكُورِ

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث