حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِي مَعْصِيَةٍ

بَاب النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِي مَعْصِيَةٍ 6700 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكَ وَفِي مَعْصِيَةٍ ) وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ : وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَقَالَ : ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، الْحَدِيثَ . وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي الَّذِي رَآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ فَنَهَاهُ ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي طَافَ وَفِي أَنْفِهِ خِزَامَةٌ فَنَهَاهُ ، وَحَدِيثَهُ فِي الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَسْتَظِلَّ فَنَهَاهُ ، قَالَ : وَلَا مَدْخَلَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ تَلَقَّى عَدَمَ لُزُومِ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِهِ فِي الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ نَذْرَهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ : بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ ، بَلْ قَالَ : النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، فَأَشَارَ إِلَى انْدِرَاجِ نَذْرِ مَالِ الْغَيْرِ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فَتَأَمَّلْهُ ، انْتَهَى .

وَمَا نَفَاهُ ثَابِتٌ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْبُخَارِيِّ لَكِنْ بِغَيْرِ لَامٍ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ التَّقْرِيرِ الَّذِي قَرَّرَهُ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَحُكْمِ النَّذْرِ فِي مَعْصِيَةٍ ، فَإِذَا ثَبَتَ نَفْيُ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ الْتُحِقَ بِهِ النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْمَعْصِيَةَ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الدَّلَالَةُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَمْلِكُ تَعْذِيبَ نَفْسِهِ وَلَا الْتِزَامَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُهُ حَيْثُ لَا قُرْبَةَ فِيهَا ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ فَسَّرُوا مَا لَا يَمْلِكُ بِمِثْلِ النَّذْرِ بِإِعْتَاقِ عَبْدِ فُلَانٍ ، انْتَهَى . وَمَا وَجَّهَهُ بِهِ ابْنُ الْمُنِيرِ أَقْرَبُ ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَخْصِيصُ مَا لَا يَمْلِكُ بِمَا إِذَا نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا كَعِتْقِ عَبْدِ فُلَانٍ إِذَا مَلَكَهُ ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إِذَا نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ دَلِيلَ التَّخْصِيصِ الِاتِّفَاقُ عَلَى انْعِقَادِ النَّذْرِ فِي الْمُبْهَمِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُعَيَّنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ فِي بَابُ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ بِلَفْظِ : وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ : نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْحَرَ بِبَوَانَةَ - يَعْنِي مَوْضِعًا وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَبِنُونٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ أَسِيرَةً فَهَرَبَتْ عَلَى نَاقَةٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ الَّذِينَ أَسَرُوا الْمَرْأَةَ انْتَهَبُوهَا ، فَنَذَرَتْ إِنْ سَلِمَتْ أَنْ تَنْحَرَهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ بِنَحْوِهِ ، وَوَقَعَتْ مُطَابِقَةً جَمِيعَ التَّرْجَمَةِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ ، مِثْلَهُ .

وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بِلَفْظِ لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، مِثْلَهُ . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وَقَعَ مِنْهُ النَّذْرُ فِي ذَلِكَ : هَلْ تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ : نَعَمْ ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلَيْنِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ ، وَاخْتِلَافُهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .

أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ ; فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَدَلَّسَهُ بِإِسْقَاطِ اثْنَيْنِ وَحَسَّنَ الظَّنَّ بِسُلَيْمَانَ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَصِحُّ ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَضَعَّفَهُ وَشَوَاهِدُ أُخْرَى ذَكَرْتُهَا آنِفًا ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ نَحْوَهُ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عُمُومُ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ ، لَكِنْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ عُقْبَةَ بِلَفْظِ : كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ الْحَدِيثَ . وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَفِيهِ : وَمَنْ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا ، وَهُوَ أَشْبَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ ، لَكِنْ قَالُوا : إِنَّ النَّاذِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ أَوَّلَ الْبَابِ قَرِيبًا ، وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيثِ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَوْ ثَبَتَتِ الزِّيَادَةُ لَكَانَتْ مُبِيِّنَةً لِمَا أُجْمِلَ فِيهِ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ صَحَابِيٍّ خِلَافُهُ قَالَ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ لَمَّا نَذَرَتْ أُخْتُهُ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً لِتُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهَا ، فَسَمَّى النَّذْرَ يَمِينًا ، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرِ هُوَ عُقْدَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِالْتِزَامِ شَيْءٍ ، وَالْحَالِفُ عَقَدَ يَمِينَهُ بِاللَّهِ مُلْتَزِمًا بِشَيْءٍ ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ النَّذْرَ آكَدُ مِنَ الْيَمِينِ ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً فَفَعَلَهَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ الْحَالِفِ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَأَمَرَ بِالْكَفَّارَةِ فَتَعَيَّنَتْ ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ لِصِحَّةِ النَّذْرِ فِي الْمُبَاحِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْيَ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ ثَابِتًا ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يُشْرَعُ فِي الْمُبَاحِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأَسِكَ بِالدُّفِّ ، فَقَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِكِ . وَزَادَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ خُرُوجِهِ فِي غَزْوَةٍ ، فَنَذَرَتْ إِنْ رَدَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - سَالِمًا .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بِالسَّلَامَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِ النَّذْرِ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يَنْعَقِدُ فِي الْمُبَاحِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، فَإِنَّهُ أَمَرَ النَّاذِرَ بِأَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَيَصُومَ وَلَا يُفْطِرَ ، بِأَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ وَيَتَكَلَّمَ وَيَسْتَظِلَّ ، وَيَقْعُدَ ، فَأَمَرَهُ بِفِعْلِ الطَّاعَةِ وَأَسْقَطَ عَنْهُ الْمُبَاحَ ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَيْضًا : إِنَّمَا النَّذْرُ مَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ الَّتِي نَذَرَتِ الضَّرْبَ بِالدُّفِّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ مَا قَدْ يَصِيُرُ بِالْقَصْدِ مَنْدُوبًا كَالنَّوْمِ فِي الْقَائِلَةِ لِلتَّقَوِّي عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَأَكْلَةِ السَّحَرِ لِلتَّقَوِّي عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ إِظْهَارَ الْفَرَحِ بِعَوْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَالِمًا مَعْنًى مَقْصُودٌ يَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ وَالْخِتَانِ ، وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَتَبِعَهُ فِي الْمِنْهَاجِ الْإِبَاحَةَ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ إِذْنَهُ لَهَا فِي الضَّرْبِ بِالدُّفِّ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، لَا عَلَى خُصُوصِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَّا فَلَا ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : نَذَرْتِ : حَلَفْتِ ، وَالْإِذْنُ فِيهِ لِلْبِرِّ بِفِعْلِ الْمُبَاحِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي آخَرِ الْحَدِيثِ : أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ فَتَرَكَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ . فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ مَا قَالَ ذَلِكَ ، لَكِنْ هَذَا بِعَيْنِهِ يُشْكِلُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لِكَوْنِهِ نَسَبَهُ إِلَى الشَّيْطَانِ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ حَضَرَ لِمَحَبَّتِهِ فِي سَمَاعِ ذَلِكَ لِمَا يَرْجُوهُ مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ بِهِ ، فَلَمَّا حَضَرَ عُمَرُ فَرَّ مِنْهُ لِعِلْمِهِ بِمُبَادَرَتِهِ إِلَى إِنْكَارِ مِثْلِ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَحْضُرْ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِثَالًا لِصُورَةِ مَا صَدَرَ مِنَ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ إِنَّمَا شَرَعَتْ فِي شَيْءٍ أَصْلُهُ مِنَ اللَّهْوِ ، فَلَمَّا دَخَلَ عُمَرُ خَشِيَتْ مِنْ مُبَادَرَتِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِخُصُوصِ النَّذْرِ أَوِ الْيَمِينِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهَا ، فَشَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَالَهَا بِحَالَةِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَخَافُ مِنْ حُضُورِ عُمَرَ وَالشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ ، وَقَرُبَ مِنْ قِصَّتِهَا قِصَّةُ الْقَيْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ عِيدٍ ، فَأَنْكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِمَا ، وَقَالَ : أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِبَاحَةِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ . فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث