حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِي مَعْصِيَةٍ

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ ، وَيَصُومَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ أيضًا وهو الحديث الرابع ، فـَ وُهَيْبٌ فِي سَنَدِهِ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الَّذِي عَلَّقَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ آخِرَ الْبَابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَذَا مَنْ يَرَى أَنَّ الثِّقَاتِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْوَصْلِ وَالْإِرْسَالِ يُرَجَّحُ قَوْلُ مَنْ وَصَلَ لِمَا مَعَهُ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ وُهَيْبًا ، وَعَبْدَ الْوَهَّابِ ثِقَتَانِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ وُهَيْبٌ وَأَرْسَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ مَعَ ذَلِكَ ، وَالَّذِي عَرَفْنَاهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِقَاعِدَةٍ مُطَّرِدَةٍ ، بَلْ يَدُورُ مَعَ التَّرْجِيحِ إِلَّا إِنِ اسْتَوَوْا ، فَيُقَدِّمُ الْوَصْلَ وَالْوَاقِعُ هُنَا أَنَّ مَنْ وَصَلَهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَصَلَهُ مَعَ وُهَيْبٍ عَاصِمُ بْنُ هِلَالٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَأَرْسَلَهُ مَعَ عَبْدِ الْوَهَّابِ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ . قُلْتُ : وَخَالِدٌ مُتْقِنٌ ، وَفِي عَاصِمٍ ، وَالْحَسَنِ مَقَالٌ ، فَيَسْتَوِي الطَّرَفَانِ فَيَتَرَجَّحُ الْوَصْلُ ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَازْدَادَ قُوَّةً أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْرَائِيلَ .

قَوْلُهُ : بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، زَادَ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَوْلُهُ : إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ وُهَيْبٍ : إِذِ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَوْلُهُ : ( قَائِمٌ ) ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : فِي الشَّمْسِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى وَفِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ : وَأَبُو إِسْرَائِيلَ يُصَلِّي قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : أَبُو إِسْرَائِيلَ ) ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : فَقَالُوا : هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ ، زَادَ الْخَطِيبُ : رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَوْلُهُ : نَذَرَ أَنْ يَقُومَ . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : ظَاهِرُ اللَّفْظِ السُّؤَالُ عَنِ اسْمِهِ ، فَلِذَلِكَ ذَكَرُوهُ وَزَادُوا فِعْلَهُ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ عَنْ حَالِهِ فَذَكَرُوهُ وَزَادُوا التَّعْرِيفَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَعَلَّهُ لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ مُحْتَمَلًا ذَكَرُوا الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَوْلُهُ : وَلَا يَسْتَظِلَّ ، فِي رِوَايَةِ الْخَطِيبِ : وَيَقُومُ فِي الشَّمْسِ . قَوْلُهُ : ( مُرْهُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : مُرُوهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَفِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ : لِيَقْعُدْ وَلْيَتَكَلَّمْ ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ الْمَذْكُورُ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي كُنْيَتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ ، فَقِيلَ : قُشَيْرٌ بِقَافٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ ، وَقِيلَ : يُسَيْرٌ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ أَيْضًا ، وَقِيلَ : قَيْصَرُ بِاسْمِ مَلِكِ الرُّومِ ، وَقِيلَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الصَّادِ ، وَقِيلَ : بِغَيْرِ رَاءٍ فِي آخِرِهِ ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ ثُمَّ عَامِرِيٌّ ، وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الصَّحَابَةِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، فَقَالَ : أَبُو إِسْرَائِيلَ الْأَنْصَارِيُّ .

وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَفِي حَدِيثِهِ أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْمُبَاحِ لَيْسَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ : وَلَا صُمْتُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ ، وَتَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلْمَرْأَةِ إِنَّ هَذَا - يَعْنِي الصَّمْتَ - مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ وَلَوْ مَآلًا مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ ، كَالْمَشْيِ حَافِيًا ، وَالْجُلُوسِ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ هُوَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا إِسْرَائِيلَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْعُدَ وَيَتَكَلَّمَ وَيَسْتَظِلَّ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ هَذِهِ أَوْضَحُ الْحُجَجِ لِلْجُمْهُورِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مَا لَا طَاعَةَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَمَّا ذَكَرَهُ وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث