بَاب مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عِرَاكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، وَعِرَاكٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ كَافٌ ، هُوَ ابْنُ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عِرَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ .
قَوْلُهُ : ( لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَدْ كَفَرَ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ الطَّوِيلِ لَا تَرْغَبُوا عن آبَائِكُمْ فَهُوَ كُفْرٌ بِرَبِّكُمْ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ مَعْنَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ مَنِ اشْتَهَرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوَعِيدِ كَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَحَوَّلَ عَنْ نِسْبَتِهِ لِأَبِيهِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ عَالِمًا عَامِدًا مُخْتَارًا ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَسْتَنْكِرُونَ أَنْ يَتَبَنَّى الرَّجُلُ وَلَدَ غَيْرِهِ وَيَصِيرَ الْوَلَدُ يُنْسَبُ إِلَى الَّذِي تَبَنَّاهُ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ فَنُسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى أَبِيهِ الْحَقِيقِيِّ وَتَرَكَ الِانْتِسَابَ إِلَى مَنْ تَبَنَّاهُ ، لَكِنْ بَقِيَ بَعْضُهُمْ مَشْهُورًا بِمَنْ تَبَنَّاهُ فَيُذْكَرُ بِهِ لِقَصْدِ التَّعْرِيفِ لَا لِقَصْدِ النَّسَبِ الْحَقِيقِيِّ ، كَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَلَيْسَ الْأَسْوَدُ أَبَاهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ تَبَنَّاهُ ، وَاسْمُ أَبِيهِ الْحَقِيقِيِّ عَمْرُو بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَهْرَانِيُّ ، وَكَانَ أَبُوهُ حَلِيفَ كِنْدَةَ فَقِيلَ لَهُ الْكِنْدِيُّ ، ثُمَّ حَالَفَ هُوَ الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيَّ فَتَبَنَّى الْمِقْدَادَ فَقِيلَ لَهُ ابْنُ الْأَسْوَدِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا .
قَالَ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ الَّتِي يَخْلُدُ صَاحِبُهَا فِي النَّارِ ، وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ . وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : سَبَبُ إِطْلَاقِ الْكُفْرِ هُنَا أَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ خَلَقَنِي اللَّهُ مِنْ مَاءِ فُلَانٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي قَرِيبًا : ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى عُمُومِهِ لَجَازَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خَالِهِ مَثَلًا ، وَكَانَ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ الْبَابِ الْمُصَرِّحِ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَعُرِفَ أَنَّهُ خَاصٌّ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ فِي الشَّفَقَةِ وَالْبِرِّ وَالْمُعَاوَنَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .