حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فِي الزَّكَاةِ وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا . وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ بِسِتَّةٍ جَازَتْ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ ) مَا زَائِدَةٌ وَالرَّبُّ الْمَالِكُ وَالنَّعَمِ بِفَتْحَتَيْنِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ وَالْبَقَرُ ، وَقِيلَ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ فَقَطْ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ ، وَقِيلَ الْإِبِلُ فَقَطْ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَيُؤَيِّدُ الثَّالِثَ اقْتِصَارُهُ هُنَا عَلَى الْإخْفَافِ فَإِنَّهَا لِلْإِبِلِ خَاصَّةً ، وَالْمُرَادُ بِقَوْله : حَقَّهَا زَكَاتَهَا وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ أَتَمَّ مِنْهُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ ببَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنَ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَقُولُ إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ سَنَةٍ جَازَتْ عَنْهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيُعْرَفُ ، تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّا مَضَى ، وَقَدْ تَأَكَّدَ الْمَنْعُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْجِيلِ قَبْلَ تَوْجِيهِ إِلْزَامِهِمُ التَّنَاقُضَ أَنَّ مَنْ أَجَازَ التَّقْدِيمَ لَمْ يُرَاعِ دُخُولَ الْحَوْلِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيمُ عَلَى الْحَوْلِ مُجْزِئًا فَلْيَكُنِ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْحَوْلِ غَيْرَ مُسْقِطٍ وَأَجَابَ عَنْهُمُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَتَنَاقَضْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْلِ وَيَجْعَلُ مَنْ قَدَّمَهَا كَمَنْ قَدَّمَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ انْتَهَى . وَالتَّنَاقُضُ لَازِمٌ لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْحُرْمَةَ تُجَامِعُ الْفَرْضَ كَطَوَافِ الْعَارِي ، وَلَوْ لَمْ يَتَقَرَّرِ الْوُجُوبُ لَمْ يَجُزِ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَوْلِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ بَاعَ إِبِلًا بِمِثْلِهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ : فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى حَوْلٍ الْأَوْلَى لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالنِّصَابِ ، وَالْمَأْخُوذُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ : يَسْتَأْنِفُ لِاخْتِلَافِ النِّصَابِ ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ أَثِمَ ، وَلَوْ قُلْنَا يَسْتَأْنِفُ .

وَعَنْ أَحْمَدَ إِذَا مَلَكَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِنَقْدٍ زَكَّى الدَّرَاهِمَ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ . وَنَقَلَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ عَنِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ : مَانِعُ الزَّكَاةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ لَا يَحِلُّ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ، قَالَ شَيْخُنَا : وَهَذَا لَمْ نَرَهُ فِي الْبُخَارِيِّ . قُلْتُ : بَلْ هُوَ فِيهِ بِالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا فَهَذَا هُوَ مَانِعُ الزَّكَاةِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث