بَاب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ
بَاب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ 7115 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ ، فَيَقُولُ : يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : غَبَطَهُ بِالْفَتْحِ يَغْبِطُهُ بِالْكَسْرِ غَبْطًا وَغِبْطَةً بِالسُّكُونِ ، وَالْغِبْطَةُ تَمَنِّي مِثْلَ حَالِ الْمَغْبُوطِ مَعَ بَقَاءِ حَالِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أُوَيْسٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) وَافَقَ مَالِكًا ، شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ . قَوْلُهُ : حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ ، فَيَقُولَ : يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ ، أَيْ : كُنْتُ مَيِّتًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : تَغَبُّطُ أَهْلِ الْقُبُورِ ، وَتَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ ، إِنَّمَا هُوَ خَوْفُ ذَهَابِ الدِّينِ بِغَلَبَةِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرِ .. .
انْتَهَى . وَلَيْسَ هَذَا عَامًّا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ ، فَقَدْ يَكُونُ لِمَا يَقَعُ لِأَحَدِهِمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ دُنْيَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِدِينِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ ، وَيَقُولَ : يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ . وَذَكَرَ الرَّجُلَ فِيهِ لِلْغَالِبِ ، وَإِلَّا فَالْمَرْأَةُ يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ : يَقَعُ الْبَلَاءُ وَالشِّدَّةُ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ أَهْوَنَ عَلَى الْمَرْءِ ، فَيَتَمَنَّى أَهْوَنَ الْمُصِيبَتَيْنِ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَذَكَرَهُ عِيَاضٌ احْتِمَالًا ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ فَقَالَ : الْمُرَادُ بِالدِّينِ هُنَا الْعِبَادَةُ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ يَتَمَرَّغُ عَلَى الْقَبْرِ ، وَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ فِي حَالَةٍ لَيْسَ الْمُتَمَرِّغُ فِيهَا مِنْ عَادَتِهِ ، وَإِنَّمَا الْحَامِلُ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ ، وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ حَمْلَ الدِّينِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى ، أَيْ : لَيْسَ التَّمَنِّي وَالتَّمَرُّغُ لِأَمْرٍ أَصَابَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ سَيَكُونُ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ فِي الدِّينِ ، أَوْ ضَعْفِهِ ، أَوْ خَوْفِ ذَهَابِهِ لَا لِضَرَرٍ يَنْزِلُ فِي الْجِسْمِ ، كَذَا قَالَ ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ هُوَ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِضَرَرِ الْجِسْمِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِضَرَرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلَا .
وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ احْتِمَالًا أَيْضًا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَيْسَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُعَارَضَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ صَرِيحٌ ، وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ إِخْبَارٌ عَنْ شِدَّةٍ سَتَحْصُلُ يَنْشَأُ عَنْهَا هَذَا التَّمَنِّي ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِهِ ، وَإِنَّمَا سِيقَ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا سَيَقَعُ . قُلْتُ : وَيُمْكِنُ أَخْذُ الْحُكْمِ مِنَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ : وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِنَّمَا هُوَ الْبَلَاءُ ، فَإِنَّهُ سِيقَ مَسَاقَ الذَّمِّ وَالْإِنْكَارِ ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ فُعِلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الدِّينِ لَكَانَ مَحْمُودًا ، وَيُؤَيِّدُهُ ثُبُوتُ تَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ فَسَادِ أَمْرِ الدِّينِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ فَعَلَهُ خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعِيسَى الْغِفَارِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ .
ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : كَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْفِتَنَ وَالْمَشَقَّةَ الْبَالِغَةَ سَتَقَعُ حَتَّى يَخِفَّ أَمْرُ الدِّينِ وَيَقِلَّ الِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِهِ ، وَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ اعْتِنَاءٌ إِلَّا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاشِهِ نَفْسِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْرُ الْعِبَادَةِ أَيَّامَ الْفِتْنَةِ ، كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَفَعَهُ : الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ أَنَّ التَّمَنِّيَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْقَبْرِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُوَّةِ هَذَا التَّمَنِّي ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَمَنَّى الْمَوْتَ بِسَبَبِ الشِّدَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَهُ قَدْ يَذْهَبُ ذَلِكَ التَّمَنِّي أَوْ يَخِفُّ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْقَبْرِ وَالْمَقْبُورِ ، فَيَتَذَكَّرُ هَوْلَ الْمَقَامِ فَيَضْعُفُ تَمَنِّيهِ ، فَإِذَا تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِ تِلْكَ الشِّدَّةِ عِنْدَهُ ؛ حَيْثُ لَمْ يَصْرِفْهُ مَا شَاهَدَهُ مِنْ وَحْشَةِ الْقَبْرِ وَتَذَكُّرِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ عَنِ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : عُدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَرْجِعْهَا ، إِنِ اسْتَطَعْتَ يَا أَبَا سَلَمَةَ فَمُتْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ زَمَانٌ الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ . وَلَيَأْتِيَنَّ أَحَدُهُمْ قَبْرَ أَخِيهِ فَيَقُولُ : لَيْتَنِي مَكَانَهُ ، وَفِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : يُوشِكُ أَنْ تَمُرَّ الْجِنَازَةُ فِي السُّوقِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَيَرَاهَا الرَّجُلُ فَيَهُزَّ رَأْسَهُ فَيَقُولَ : يَا لَيْتَنِي مَكَانَ هَذَا ، قُلْتُ : يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ ؟ قَالَ : أَجَلْ .