بَاب إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
حَدَّثَنَا خَلَّادٌ بن يحيى ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ ، فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ، وَاسْمُهُ سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ الْمُحَارِبِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُذَيْفَةَ ) لَمْ أَرَ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ ، وَلَمْ أَرَهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا ، وَكَأَنَّهُ تَسَمَّحَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ ، أَوْ ثَبْتَ عِنْدَهُ لُقِيُّهُ حُذَيْفَةَ فِي غَيْرِ هَذَا .
قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ ) أَيْ : مَوْجُودًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ ، عَنْ مِسْعَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَّا الْيَوْمَ ، فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ أَوِ الْإِيمَانُ ، وَكَذَا حَكَى الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مِسْعَرٍ : فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، قَالَ : وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مِسْعَرٍ : فَضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَبِيبٌ : فَقُلْتُ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ : مِمَّ ضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . قُلْتُ : لَعَلَّهُ عَرَفَ مُرَادَهُ فَتَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ حِفْظِهِ أَوْ فَهْمِهِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ ، فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَلَى فِطْرَتِهِ فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ فَهُوَ مُرْتَدٌّ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ انْتَهَى .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حُذَيْفَةَ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْوُقُوعِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ اتِّفَاقِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ إِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِخْفَاءُ الْكُفْرِ ، وَوُجُودُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ ، وَيَقْبَلُ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ ظَهَرَ مِنْهُمُ احْتِمَالُ خِلَافِهِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَمَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ ، وَلَا يُتْرَكُ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّفِ ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ ، وَقِيلَ : غَرَضُهُ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ جَاهِلِيَّةٌ ، وَلَا جَاهِلِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ ، أَوْ تَفْرِيقٌ لِلْجَمَاعَةِ ، فَهُوَ بِخِلَافِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَا تَفَرَّقُوا . وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْتُورٍ ، فَهُوَ كَالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ .