حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب ذِكْرِ الدَّجَّالِ

بَاب ذِكْرِ الدَّجَّالِ 7122 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ : قَالَ لِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ ، وَإِنَّهُ قَالَ لِي : مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ ؟ قُلْتُ : لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ ، قَالَ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ ) هُوَ فَعَّالٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ الدَّجَلِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ ، وَسُمِّيَ الْكَذَّابُ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ ، وَيُقَالُ دَجَلَ الْبَعِيرَ بِالْقَطِرَانِ إِذَا غَطَّاهُ ، وَالْإِنَاءَ بِالذَّهَبِ إِذَا طَلَاهُ . وَقَالَ ثَعْلَبٌ : الدَّجَّالُ الْمُمَوَّهُ سَيْفٌ مُدَجَّلٌ إِذَا طُلِيَ .

وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : سُمِّيَ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِالْكَذِبِ ، وَقِيلَ لِضَرْبِهِ نَوَاحِيَ الْأَرْضِ ، يُقَالُ : دَجَلَ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : بَلْ قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْأَرْضَ فَرَجَعَ إِلَى الْأَوَّلِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : اُخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ دَجَّالًا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ . وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الدَّجَّالِ أَصْلُهُ وَهَلْ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ أَوْ غَيْرُهُ ، وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ كَانَ مَوْجُودًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لَا ، وَمَتَى يَخْرُجُ ، وَمَا سَبَبُ خُرُوجِهِ ، وَمِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ ، وَمَا صِفَتُهُ ، وَمَا الَّذِي يَدَّعِيهِ ، وَمَا الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ حَتَّى تَكْثُرَ أَتْبَاعُهُ ، وَمَتَى يَهْلِكُ وَمَنْ يَقْتُلُهُ ؟ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ .

وَأَمَّا الثَّانِي فَمُقْتَضَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ ، وَأَنَّهُ مَحْبُوسٌ فِي بَعْضِ الْجَزَائِرِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا . وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ عِنْدَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ . وَأَمَّا سَبَبُ خُرُوجِهِ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبهَا .

وَأَمَّا مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ ؟ فَمِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ جَزْمًا . ثُمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ ، أَخْرَجَ ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ . وَأَمَّا صِفَتُهُ فَمَذْكُورَةٌ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ .

وَأَمَّا الَّذِي يَدَّعِيهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَيَدَّعِي الْإِيمَانَ وَالصَّلَاحَ ثُمَّ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ كَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَكَانَ صَحَابِيًّا فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الدَّجَّالُ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ ، يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَيَدْعُو إِلَى الدِّينِ فَيُتَّبَعُ وَيَظْهَرُ ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَقْدَمَ الْكُوفَةَ فَيُظْهِرَ الدِّينَ وَيَعْمَلَ بِهِ فَيُتَّبَعَ وَيَحُثَّ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيٌّ فَيَفْزَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ ذِي لُبٍّ وَيُفَارِقُهُ ، فَيَمْكُثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ : أَنَا اللَّهُ ، فَتُغْشَى عَيْنُهُ وَتُقْطَعُ أُذُنُهُ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ فَلَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَيُفَارِقُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ . ( تَنْبِيهٌ ) : اشْتَهَرَ السُّؤَالُ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الدَّجَّالِ فِي الْقُرْآنِ مَعَ مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ وَعِظَمِ الْفِتْنَةِ بِهِ وَتَحْذِيرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ وَالْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : ثَلَاثَةٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ : الدَّجَّالُ وَالدَّابَّةُ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا . الثَّانِي : قَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ إِلَى نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ وَصَحَّ أَنَّهُ الَّذِي يقتل الدَّجَّالَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الْآخَرِ ، وَلِكَوْنِهِ يُلَقَّبُ الْمَسِيحَ كَعِيسَى ; لَكِنَّ الدَّجَّالَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ وَعِيسَى مَسِيحُ الْهُدَى .

الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ احْتِقَارًا ، وَتُعُقِّبَ بِذِكْرِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَلَيْسَتِ الْفِتْنَةُ بِهِمْ بِدُونِ الْفِتْنَةِ بِالدَّجَّالِ وَالَّذِي قَبْلَهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ وَهُوَ مَا الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ ؟ وَأَجَابَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ اعْتَبَرَ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، فَوَجَدَ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ إِنَّمَا هُمْ مِمَّنْ مَضَى وَانْقَضَى أَمْرُهُ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُمْ أَحَدًا انْتَهَى . وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ أَنَّ الدَّجَّالَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا الدَّجَّالُ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ .

وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَكَفَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِهِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَأَمَّا مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ فَسَيُذْكَرُ هُنَا . وَأَمَّا مَتَى يَهْلِكُ وَمَنْ يَقْتُلُهُ ؟ فَإِنَّهُ يَهْلِكُ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ ، ثُمَّ يَقْصِدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَيَنْزِلُ عِيسَى فَيَقْتُلُهُ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .

وَسَأَذْكُرُ لَفْظَهُ . وَفِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فِتْنَةٌ أَعْظَمُ مِنَ الدَّجَّالِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ . وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ رَفَعَهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ - يَعْنِي الدَّجَّالَ - فِي نَقْصٍ مِنَ الدُّنْيَا وَخِفَّةٍ مِنَ الدِّينِ وَسُوءِ ذَاتِ بَيْنٍ ، فَيَرِدُ كُلَّ مَنْهَلٍ وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ .

الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ : يَتَوَجَّهُ الدَّجَّالُ ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ بَابِ دِمَشْقَ الشَّرْقِيِّ . ثُمَّ يَلْتَمِسُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ; ثُمَّ يَرَى عِنْدَ الْمِيَاهِ الَّتِي عِنْدَ نَهَرِ الْكِسْوَةِ ، ثُمَّ يَطْلُبُ فَلَا يَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ ، ثُمَّ يَظْهَرُ بِالْمَشْرِقِ فَيُعْطَى الْخِلَافَةَ ، ثُمَّ يُظْهِرُ السِّحْرَ ، ثُمَّ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَتَتَفَرَّقُ النَّاسُ عَنْهُ ، فَيَأْتِي النَّهَرَ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيلَ إِلَيْهِ فَيَسِيلَ ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْجِعَ ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَيْبَسَ فَيَيْبَسَ ، وَيَأْمُرُ جَبَلَ طُورٍ وَجَبَلَ زِيتَا أَنْ يَنْتَطِحَا فَيَنْتَطِحَا ، وَيَأْمُرُ الرِّيحَ أَنْ تُثِيرَ سَحَابًا مِنَ الْبَحْرِ فَتُمْطِرَ الْأَرْضَ ، وَيَخُوضُ الْبَحْرَ فِي يَوْمٍ ثَلَاثَ خَوْضَاتٍ ، فَلَا يَبْلُغُ حِقْوَيْهِ ، وَإِحْدَى يَدَيْهِ أَطْوَلُ مِنَ الْأُخْرَى ، فَيَمُدُّ الطَّوِيلَةَ فِي الْبَحْرِ فَتَبْلُغُ قَعْرَهُ فَيُخْرِجُ مِنَ الْحِيتَانِ مَا يُرِيدُ .

وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أَحَدِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ مِنَ الْحِلْيَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ قَالَ : لَا يَنْجُو مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسَبْعَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ ، وَهَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَرْسَلَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا : الحديث الأول : قَوْلُهُ : ( يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَ لِيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ .

قَوْلُهُ : ( مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ قَالَ لِي : مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ ؟ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ : وَمَا يَنْصِبُكَ مِنْهُ بِنُونٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مِنَ النَّصَبِ ، بِمَعْنَى التَّعَبِ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَزَادَ : فَقَالَ لِي : أَيْ بُنَيَّ وَمَا يَنْصِبُكَ مِنْهُ ؟ وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ : وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهُ ؟ أَيْ : وَمَا سَبَبُ سُؤَالِكِ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : مَا يَنْصِبُكَ ، أَيْ : مَا الَّذِي يَغُمُّكَ مِنْهُ ، مِنَ الْغَمِّ حَتَّى يَهُولَكَ أَمْرُهُ ، قُلْتُ : وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ ، وَإِلَّا فَالنَّصَبُ التَّعَبُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَرَضِ ؛ لأن فِيهِ تَعَبًا . قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : يُقَالُ : نَصَبَهُ الْمَرَضُ وَأَنْصَبَهُ ، وَهُوَ تَغَيُّرُ الْحَالِ مِنْ تَعَبٍ أَوْ وَجَعٍ .

قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْخَشْيَةُ مِنْهُ ، مَثَلًا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَالضَّمِيرُ فِي أَنَّهُمْ لِلنَّاسِ أَوْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ . قَوْلُهُ : ( جَبَلَ خُبْزٍ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، بَعْدَهَا زَايٌ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعَهُ مِنَ الْخُبْزِ قَدْرُ الْجَبَلِ ، وَأَطْلَقَ الْخُبْزَ وَأَرَادَ بِهِ أَصْلَهُ ، وَهُوَ الْقَمْحُ مَثَلًا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ : إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالْأَنْهَارَ . وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ : أَنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ .

قَوْلُهُ : ( وَنَهَرَ مَاءٍ ) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَبِفَتْحِهَا . قَوْلُهُ : قَالَ : ( بَلْ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ) سَقَطَ لَفْظُ : بَلْ ، مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ . وَقَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَخْلُقُهُ عَلَى يَدَيْهِ مُضِلًّا لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَمُشَكِّكًا لِقُلُوبِ الْمُوقِنِينَ ، بَلْ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ، وَيَرْتَابَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الَّذِي يَقْتُلُهُ : مَا كُنْتُ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي فِيكَ ، لَا أَنَّ قَوْلَهُ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَهُ ، بَلِ الْمُرَادُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِهِ ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ فِيهِ آيَةً ظَاهِرَةً فِي كَذِبِهِ وَكُفْرِهِ يَقْرَؤهَا مَنْ قَرَأَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ ، زَائِدَةً عَلَى شَوَاهِدِ كَذِبِهِ مَنْ حَدَثِهِ وَنَقْصِهِ .

قُلْتُ : الْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ : وَمَعَهُ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَنَهْرٌ مِنْ مَاءٍ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ ، مِنْ طَرِيقِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : انْطَلَقْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْنَا : حَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّجَّالِ ، وَلَا تُحَدِّثْنَا عَنْ غَيْرِهِ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ : تُمْطَرُ الْأَرْضُ وَلَا يُنْبِتُ الشَّجَرُ ، وَمَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ ؛ فَنَارُهُ جَنَّةٌ ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ ، وَمَعَهُ جَبَلُ خُبْزٍ . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جُنَادَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ : مَعَهُ جِبَالُ الْخُبْزِ وَأَنْهَارُ الْمَاءِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ ، وَالنَّاسُ فِي جَهْدٍ إِلَّا مَنْ تَبِعَهُ ، وَمَعَهُ نَهْرَانِ الْحَدِيثَ ، فَدَلَّ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ عَلَى يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّامِنِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا ، وَغَفَلَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ عِنْدِ مُسْلِمٍ لَمَّا قَالَ لَهُ لَنْ يَضُرَّكَ ، قَالَ : إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا . قُلْتُ : وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ .

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَدَّ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، قَالَ : وَكَيْفَ يَرُدُّ بِحَدِيثٍ مُحْتَمَلٍ مَا ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ : فَلَعَلَّ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : هُوَ أَهْوَنُ ؛ أَيْ لَا يُجْعَلُ لَهُ ذَلِكَ حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ وَتَشْبِيهٌ عَلَى الْأَبْصَارِ ، فَيَثْبُتُ الْمُؤْمِنُ وَيَزِلُّ الْكَافِرُ ، وَمَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَى الْآخَرِ ؛ فَقَالَ : هَذَا لَا يُضَادُّ خَبَرَ أَبِي مَسْعُودٍ ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَهْرَ مَاءٍ يَجْرِي ، فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ يَرَى أَنَّهُ مَاءٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث