بَاب قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
بَاب وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 7347 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ح حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَلَا تُصَلُّونَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا ، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : يُقَالُ : مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ ، وَيُقَالُ : الطَّارِقُ : النَّجْمُ ، وَالثَّاقِبُ : الْمُضِيءُ ، يُقَالُ : أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا تُصَلُّونَ ؟ وَجَوَابُهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ وَتِلَاوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّكْنِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرْجَمَةِ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ فِي بَيْتِ مِدْرَاسِهِمْ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّكْنِ الثَّانِي مِنْهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْجِدَالُ : هُوَ الْخِصَامُ ، وَمِنْهُ قَبِيحٌ وَحَسَنٌ وَأَحْسَنُ ، فَمَا كَانَ لِلْفَرَائِضِ فَهُوَ أَحْسَنُ ، وَمَا كَانَ لِلْمُسْتَحَبَّاتِ فَهُوَ حَسَنٌ ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ قَبِيحٌ ، قَالَ : أَوْ هُوَ تَابِعٌ لِلطَّرِيقِ ، فَبِاعْتِبَارِهِ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، انْتَهَى .
وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُبَاحِ قَبِيحًا ، وَفَاتَهُ تَنْوِيعُ الْقَبِيحِ إِلَى أَقْبَحَ ، وَهُوَ مَا كَانَ فِي الْحَرَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الدَّعَوَاتِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ فِعْلَ الْأَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ مَا احْتَجَّ بِهِ مُتَّجَهًا ، وَمِنْ ثَمَّ تَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ مَعَ ذَلِكَ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَ امْتَثَلَ وَقَامَ لَكَانَ أَوْلَى ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إِلَى مَرَاتِبِ الْجِدَالِ ، فَإِذَا كَانَ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ تَعَيَّنَ نَصْرُ الْحَقِّ بِالْحَقِّ ، فَإِنْ جَاوَزَ الَّذِي يُنْكِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُورَ نُسِبَ إِلَى التَّقْصِيرِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ اكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى تَرْكِ الْأَوْلَى ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ طُبِعَ عَلَى الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ أَنْ يَقْبَلَ النَّصِيحَةَ وَلَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ . وَأَنْ لَا يَدْفَعَ إِلَّا بِطَرِيقٍ مُعْتَدِلَةٍ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَا مُلَخَّصُهُ : أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَا دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ ، بَلْ كَانَ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِقَوْلِهِ ، فَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ . انْتَهَى .
وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَمْتَثِلْ مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ ؟ فَلَيْسَ فِي الْقِصَّةِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَجَابَ عَلِيٌّ بِمَا ذَكَرَ اعْتِذَارًا عَنْ تَرْكِهِ الْقِيَامَ بِغَلَبَةِ النَّوْمِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ صَلَّى عَقِبَ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةِ ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَنْفِيهِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ حَرَّضَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ وَالْقُدْرَةِ الْكَاسِبَةِ ، وَأَجَابَ عَلِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، قَالَ : وَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخِذَهُ تَعَجُّبًا مِنْ سُرْعَةِ جَوَابِ عَلِيٍّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَسْلِيمًا لِمَا قَالَ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّذْكِيرِ لِلْغَافِلِ خُصُوصًا الْقَرِيبُ وَالصَّاحِبُ ؛ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ مِنْ طَبْعِ الْبَشَرِ ، فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ بِتَذْكِيرِ الْخَيْرِ وَالْعَوْنِ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِأَثَرِ الْحِكْمَةِ لَا يُنَاسِبُهُ الْجَوَابُ بِأَثَرِ الْقُدْرَةِ ، وَأَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا تَكَلَّمَ بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ فِي أَمْرٍ غَيْرِ وَاجِبٍ ، أَنْ يَكْتَفِيَ مِنَ الَّذِي كَلَّمَهُ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْقُدْرَةِ ، يُؤْخَذُ الْأَوَّلُ مِنْ ضَرْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِهِ ، وَالثَّانِي مِنْ عَدَمِ إِنْكَارِهِ بِالْقَوْلِ صَرِيحًا .
قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُشَافِهْهُ بِقَوْلِهِ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ عَلِيًّا لَا يَجْهَلُ أَنَّ الْجَوَابَ بِالْقُدْرَةِ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَهُمَا عُذْرًا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الصَّلَاةِ فَاسْتَحْيَا عَلِيٌّ مِنْ ذِكْرِهِ ، فَأَرَادَ دَفْعَ الْخَجَلِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ فَاحْتَجَّ بِالْقُدْرَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رُجُوعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ مُسْرِعًا ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَرَادَ بِمَا قَالَ اسْتِدْعَاءَ جَوَابٍ يَزْدَادُ بِهِ فَائِدَةً ، وَفِيهِ جَوَازُ مُحَادَثَةِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ ، وَجَوَازُ ضَرْبِهِ بَعْضَ أَعْضَائِهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَكَذَا الْأَسَفُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْقِصَّةِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعُبُودِيَّةِ أَنْ لَا يُطْلَبَ لَهَا مَعَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ مَعْذِرَةٌ إِلَّا الِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِيرِ وَالْأَخْذُ فِي الِاسْتِغْفَارِ ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ عِظَمِ تَوَاضُعِهِ ؛ لِكَوْنِهِ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ مَا يُشْعِرُ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ أَنَّهُ يُوجِبُ غَايَةَ الْعِتَابِ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ لِذَلِكَ بَلْ حَدَّثَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الثَّانِي : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ غَيْرَ مَنْسُوبٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مَنْسُوبًا : مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ وَ عَتَّابٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ ، وَأَبُوهُ بَشِيرٌ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ ، وَ إِسْحَاقُ عِنْدَ النَّسَفِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَنُسِبَ عِنْدَ الْبَاقِينَ ابْنَ رَاشِدٍ وَسَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ ، وَمَضَى فِي التَّهَجُّدِ عَلَى لَفْظِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ مَجْمُوعًا ، وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ . قَوْلُهُ : ( طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ) زَادَ شُعَيْبٌ لَيْلَةً قَوْلُهُ : ( أَلَا تُصَلُّونَ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : أَلَا تُصَلِّيَانِ بِالتَّثْنِيَةِ ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى ضَمِّ مَنْ يَتْبَعُهُمَا إِلَيْهِمَا ، أَوْ لِلتَّعْظِيمِ ، أَوْ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ ، وَقَوْلُهُ : حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ الْتِفَاتٌ ، وَمَضَى فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ : حِينَ قُلْتُ لَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ : سَمِعَهُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : سَمِعْتُهُ وَقَوْلُهُ : وَهُوَ مُدْبِرٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : مُوَلٍّ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَوَقَعَ هُنَا عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ : وَهُوَ مُنْصَرِفٌ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ ( يُقَالُ : مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ ، وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ لَكِنْ بِدُونِ : يُقَالُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الطَّارِقِ .