بَاب مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ
بَاب مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً ، لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ 7355 - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصياد الدَّجَّالُ ، قُلْتُ : تَحْلِفُ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً ) النَّكِيرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَزْنُ عَظِيمُ : الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِنْكَارِ . وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَقْرِيرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ يُقَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِنْكَارٍ دَالٍّ عَلَى الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَنْفِي عَنْهُ مَا يَحْتَمِلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ : لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ ؛ فَإِنَّ سُكُوتَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ فِي التَّرْجَمَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ : لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ لِأَمْرٍ يَحْضُرُهُ الرَّسُولُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَأَشَارَ ابْنُ التِّينِ إِلَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ ، وَأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ ؛ لِأَنَّهُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنْ قَالَ الْمُجْتَهِدُ قَوْلًا وَانْتَشَرَ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَقِيلَ : لَا يَكُونُ حُجَّةً حَتَّى يَتَعَدَّدَ الْقِيلُ بِهِ ، وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ذَلِكَ الْقَوْلُ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً ، فَإِنْ خَالَفَهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى غَيْرِهِ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ عِنْدَهُ ضَعِيفًا ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْكُتُ فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى الْجَوَازِ ؛ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ ، فَسَكَتَ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ صَوَابًا وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُهُ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ ) هُوَ خُرَاسَانِيٌّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ ، وَذَكَرَ ابْنُ رَشِيدٍ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ ، وَالْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ صَاحِبٌ لَنَا حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ فِي الْأَحْيَاءِ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ نَزِيلُ عَسْقَلَانَ رَوَى عَنْ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ ، وَأَبِي ضَمْرَةَ وَغَيْرِهِمَا وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَقَالَ : شَيْخِي فَزَعَمَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ عَنْ شَيْخٍ وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْخِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُهَا بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ ، وَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ مِمَّا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَفْرَدْتُهَا فِي جُزْءٍ جَمَعْتُ مَا وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَانَ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَا وَقَعَ لِمُسْلِمٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ بَاقٍ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ مِنْ شُيُوخِهِ ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَإِنَّهُ نَزَلَ فِيهَا عَنْ طَبَقَتِهِ الْعَالِيَةِ بِدَرَجَتَيْنِ ، مِثَالُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِذَا رَوَى حَدِيثَ شُعْبَةَ عَالِيًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَاوٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعْبَةَ فِيهِ ثَلَاثَةً ، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَلَا يَرْوِي حَدِيثَ شُعْبَةَ بِأَقَلَّ مِنْ وَاسِطَتَيْنِ . وَالْحَدِيثُ الثَّانِي مِنَ الْأَرْبَعَةِ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيَّيْنِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ بِسَنَدٍ آخَرَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ . وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَخْرَجَهُ فِي آخِرَ الْمَغَازِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي عَدَدِ الْغَزَوَاتِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِهَذَا السَّنَدِ بِلَا وَاسِطَةٍ .
وَالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَقَعَ فِي كِتَابِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ الْعِتْقِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ نَفْسِهِ وَهَذَا مِمَّا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ طَبَقَتِهِ دَرَجَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَرْوِي حَدِيثَ ابْنِ غَسَّانَ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَهُنَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ وَسَائِطَ ، وَقَدْ أَشَرْتُ لِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي مَوْضِعِهِ ، وَجَمَعْتُهَا هُنَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ أَيِ ابْنُ مُعَاذِ بْنُ نَصْرِ بْنِ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مِنَ الْأَقْرَانِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَبَقَتِهِ . قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ ) أَيْ : شَاهَدْتُهُ حِينَ حَلَفَ . قَوْلُهُ ( أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ مِثْلُهُ لَكِنْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَلِلْبَاقِينَ : ابْنُ الصَّائِدِ بِوَزْنِ الظَّالِمِ .
( تَحْلِفُ بِاللَّهِ ؟ قَالَ ؟ إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ ، إِلَخْ ) كَأَنَّ جَابِرًا لَمَّا سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، فَهِمَ مِنْهُ الْمُطَابَقَةَ ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالتَّقْرِيرِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ ، فَمَنْ قَالَ أَوْ فَعَلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَأَقَرَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ ، فَإِنْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْعَلْ خِلَافَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ ، إِلَّا إِنْ ثَبَتَ دَلِيلُ الْخُصُوصِيَّةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ دَلِيلَ جَابِرٍ : فَإِنْ قِيلَ : تَقَدَّمَ يَعْنِي كَمَا فِي الْجَنَائِزِ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ ابْنِ الصَّيَّادِ : دَعْنِي أَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطْ عَلَيْهِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي أَمْرِهِ ، يَعْنِي فَلَا يَدُلُّ سُكُوتُهُ عَنْ إِنْكَارِهِ عِنْدَ حَلِفِ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ ، قَالَ : وَعَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ التَّرْدِيدَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ الدَّجَّالُ ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى عُمَرَ حَلِفَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الشَّكِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَرِ شَكٌّ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَلَطُّفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُمَرَ فِي صَرْفِهِ عَنْ قَتْلِهِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . ثُمَّ ذَكَرَ مَا وَرَدَ عَنْ غَيْرِ جَابِرٍ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ ، كَالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَقِيتُ ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمًا وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ ، فَإِذَا عَيْنُهُ قَدْ طَفِئَتْ وَهِيَ خَارِجَةٌ مِثْلَ عَيْنِ الْجَمَلِ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا قُلْتُ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ صَيَّادٍ مَتَى طَفِئَتْ عَيْنَكَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي وَالرَّحْمَنِ .
قُلْتُ : كَذَبْتَ لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكِ ؟ قَالَ : فَمَسَحَهَا وَنَخَرَ ثَلَاثًا ، فَزَعَمَ الْيَهُودِيُّ أَنِّي ضَرَبْتُ بِيَدَيَّ صَدْرَهُ ، وَقُلْتُ لَهُ : اخْسَأْ ، فَلَنْ تَعْدُو قَدَرَكَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ : اجْتَنِبْ هَذَا الرَّجُلَ ؛ فَإِنَّمَا يُتَحَدَّثُ أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ عِنْدَ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا انْتَهَى . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ : لَقِيتُهُ مَرَّتَيْنِ ، فَذَكَرَ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ : لَقِيتُهُ لُقْيَةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ ، فَقُلْتُ : مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي ، قُلْتُ : لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ ؟ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ جَعَلَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ ، وَنَخَرَ كَأَشَدَّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ ، فَزَعَمَ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِي حَتَّى تَكَسَّرَتْ ، وَأَنَا وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ ، قَالَ : وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ فَحَدَّثَهَا ، فَقَالَتْ : مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَدْ قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبَ يَغْضَبُهُ ؟ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فَإِنْ قِيلَ هَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى التَّرَدُّدِ فِي أَمْرِهِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ الدَّجَّالُ الَّذِي يَقْتُلُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، فَلَمْ يَقَعِ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ أَحَدُ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَنْذَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ دَجَّالِينَ كَذَّابِينَ يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي مَضَى مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ انْتَهَى . وَمُحَصَّلُهُ عَدَمُ تَسْلِيمِ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ الدَّجَّالُ ، فَيَعُودُ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ عَنْ جَوَابِ حَلِفِ عُمَرَ ثُمَّ جَابِرٍ عَلَى أَنَّهُ الدَّجَّالُ الْمَعْهُودُ ، لَكِنْ فِي قِصَّةِ حَفْصَةَ وَابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ ، وَاللَّامُ فِي الْقِصَّةِ الْوَارِدَةِ عَنْهُمَا لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ .
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا أَشُكَّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ ، وَوَقَعَ لِابْنِ صَيَّادٍ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِصَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدَّجَّالِ ، فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : صَحِبَنِي ابْنُ صَيَّادٍ إِلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ لِي : مَاذَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ ؟ يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِي ، قَالَ : أَوَلَسْتَ سَمِعْتَهُ يَقُولُ : لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : فَقَدْ وُلِدْتُ بِالْمَدِينَةِ وَهَا أَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ .
وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : أَخَذَتْنِي مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ دَمَامَةٌ ، فَقَالَ : هَذَا عَذَرْتُ النَّاسَ مَا لِي وَأَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ، أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ يَعْنِي الدَّجَّالَ يَهُودِيٌّ ؟ وَقَدْ أَسْلَمْتَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَمِنْ طَرِيقِ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : خَرَجْنَا حُجَّاجًا ، وَمَعَنَا ابْنُ صَيَّادٍ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا وَتَفَرَّقَ النَّاسُ ، وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ فِيهِ . فَقُلْتُ : الْحَرُّ شَدِيدٌ فَلَوْ وَضَعْتَ ثِيَابَكَ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ ، فَفَعَلَ ، فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ ، فَقَالَ : اشْرَبْ يَا أَبَا سَعِيدٍ ، فَقُلْتُ : إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَمَا بِي إِلَّا أَنْ أَكْرَهَ أَنِّي أَشْرَبُ مِنْ يَدِهِ ، فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ بِهِ مِمَّا يَقُولُ لِيَ النَّاسُ ، يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : حَتَّى كِدْتُ أَعْذُرَهُ وَفِي آخِرِ كُلٍّ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدِهِ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَقُلْتُ لَهُ : تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ ، لَفْظُ الْجَرِيرِيِّ وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَمْكُثُ أَبَوَا الدَّجَّالِ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ نَفْعًا ، وَنَعَتَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ ، قَالَ : فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْيَهُودِ ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامِ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ ، فَإِذَا النَّعْتُ فَقُلْنَا : هَلْ لَكُمَا مِنْ وَلَدٍ ؟ قَالَا : مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا ، ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ نَفْعًا الْحَدِيثَ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . قُلْتُ : وَيُوهِي حَدِيثُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ لَمَّا نَزَلَ مِنَ الطَّائِفِ حِينَ حُوصِرَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ كَالْمُحْتَلِمِ ، فَمَتَى يُدْرِكُ أَبُو بَكْرَةَ زَمَانَ مَوْلِدِهِ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ لَمْ يَسْكُنِ الْمَدِينَةَ إِلَّا قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِسَنَتَيْنِ ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ كَالْمُحْتَلِمِ ، فَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَلَعَلَّ الْوَهْمَ وَقَعَ فِيمَا يَقْتَضِي تَرَاخِي مَوْلِدِ ابْنِ صَيَّادٍ أَوَّلًا ، وَهْمٌ فِيهِ بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : بَلَغَنَا أَنَّهُ وُلِدَ لِلْيَهُودِ مَوْلُودٌ عَلَى تَأَخُّرِ الْبَلَاغِ ، وَإِنْ كَانَ مَوْلِدُهُ كَانَ سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ، بِحَيْثُ يَأْتَلِفُ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحِ ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَلِفِ عُمَرَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي أَمْرِهِ ، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّبْتُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ غَيْرُهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ قِصَّةُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الدَّجَّالَ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ وَطَرِيقُهُ أَصَحُّ ، وَتَكُونُ الصِّفَةُ الَّتِي فِي ابْنِ صَيَّادٍ وَافَقَتْ مَا فِي الدَّجَّالِ . قُلْتُ : قِصَّةُ تَمِيمٍ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ، فَذَكَرَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فَلَقِيَتُهُمْ دَابَّةٌ كَثِيرَةُ الشَّعْرِ فَقَالَتْ لَهُمْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى رَجُلٍ فِي الدَّيْرِ ، قَالَ : فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا فَدَخَلْنَا الدَّيْرَ ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا ، وَأَشَدُّهُ وَثَاقًا ، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِالْحَدِيدِ ، فَقُلْنَا : وَيْلَكَ مَا أَنْتَ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : أَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ : هَلْ بُعِثَ ، وَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ يُطِيعُوهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ ، وَعَنْ عَيْنِ زُغَرٍ وَعَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ ، وَفِيهِ : أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي أَنَا الْمَسِيحُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ ، فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ شَيْخٌ ، وَسَنَدُهَا صَحِيحٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيهِ أَنَّ الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ ، وَكَانَ ابْنُ صَيَّادٍ أَحَدَ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهِمْ ، وَقَدْ خَرَجَ أَكْثَرُهُمْ ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ يَجْزِمُونَ بِابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ لَمْ يَسْمَعُوا بِقِصَّةِ تَمِيمٍ ، وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعِيدٌ جِدًّا ، إِذْ كَيْفَ يَلْتَئِمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ شِبْهَ الْمُحْتَلِمِ ، وَيَجْتَمِعُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْأَلُهُ ، أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهَا شَيْخًا كَبِيرًا مَسْجُونًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ مُوثَقًا بِالْحَدِيدِ ، يَسْتَفْهِمُ عَنْ خَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَلْ خَرَجَ أَوْ لَا ؟ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ الِاطِّلَاعِ ، أَمَّا عُمَرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ قِصَّةَ تَمِيمٍ ، ثُمَّ لَمَّا سَمِعَهَا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْحَلِفِ الْمَذْكُورِ .
وَأَمَّا جَابِرٌ فَشَهِدَ حَلِفَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَصْحَبَ مَا كَانَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُمَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيعٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ بِنَحْوِ قِصَّةِ تَمِيمٍ ، قَالَ : قَالَ - أَيِ الْوَلِيدُ - فَقَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ : إِنَّ فِي هَذَا شَيْئًا مَا حَفِظْتُهُ ، قَالَ شَهِدَ جَابِرٌ أَنَّهُ ابْنُ صَيَّادٍ ، قُلْتُ : فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ ، قَالَ : وَإِنْ مَاتَ . قُلْتُ : فَإِنَّهُ أَسْلَمَ ، قَالَ : وَإِنْ أَسْلَمَ . قُلْتُ : فَإِنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، قَالَ : وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ .
انْتَهَى . وَابْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ اسْمُهُ عُمَرُ ، فِيهِ مَقَالٌ ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ حَسَنٌ ، وَيُتَعَقَّبُ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ تَمِيمٍ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّقْرِيرِ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ الْإِلْمَامِ ، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ : إِذَا أَخْبَرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، فَهَلْ يَكُونُ سُكُوتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلًا عَلَى مُطَابَقَةِ مَا فِي الْوَاقِعِ كَمَا وَقَعَ لِعُمَرَ فِي حَلِفِهِ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ؟ فَهَلْ يَدُلُّ عَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ كَمَا فَهِمَهُ جَابِرٌ ، حَتَّى صَارَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَيَسْتَنِدُ إِلَى حَلِفِ عُمَرَ أَوْ لَا يَدُلُّ ؟ فِيهِ نَظَرٌ . قَالَ : وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَدُلُّ ؛ لِأَنَّ مَأْخَذَ الْمَسْأَلَةِ وَمَنَاطَهَا هُوَ الْعِصْمَةُ مِنَ التَّقْرِيرِ عَلَى بَاطِلٍ ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْبُطْلَانِ ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ تَحَقُّقِ الصِّحَّةِ ، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهُ يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْبَيَانِ عَدَمُ تَحَقُّقِ الصِّحَّةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ ، نَعَمْ التَّقْرِيرُ يُسَوِّغُ الْحَلِفَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْعِلْمِ انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَلَا يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْبُطْلَانِ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مُسْتَوْفِي الطَّرَفَيْنِ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْ قِسْمٍ خِلَافَ الْأَوْلَى ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَمْرِ ابْنِ صَيَّادٍ بَعْدَ كِبَرِهِ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَشَفُوا وَجْهَهُ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ، وَقِيلَ لَهُمُ : اشْهَدُوا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : قِصَّةُ ابْنِ صَيَّادٍ مُشْكِلَةٌ ، وَأَمْرُهُ مُشْتَبِهٌ ، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ . وَكَانَ فِي ابْنِ صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمِلَةٌ ، فَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْطَعُ فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ بَلْ قَالَ لِعُمَرَ : لَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ الْحَدِيثَ ، وَأَمَّا احْتِجَاجَاتُهُ هُوَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ إِلَى سَائِرِ مَا ذَكَرَ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ خُرُوجِهِ آخِرَ الزَّمَانِ ، قَالَ : وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِي قِصَّتِهِ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ وَقَوْلُهُ : أَنَّهُ يَأْتِيهِ صَادِقٌ وَكَاذِبٌ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ يَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالَ ، وَأَنَّهُ يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَمَوْضِعَهُ وَأَيْنَ هُوَ الْآنَ ، قَالَ : وَأَمَّا إِسْلَامُهُ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ الدَّجَّالِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالشَّرِّ ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ مَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ ابْنِ صَيَّادِ هُوَ الدَّجَّالُ ، فَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ شُبَيْلٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا آخِرُهُ لَامٌ ، ابْنُ عَرْزَةَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ بِوَزْنِ ضَرْبَةَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا افْتَتَحْنَا أَصْبَهَانَ كَانَ بَيْنَ عَسْكَرِنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ فَرْسَخٌ ، فَكُنَّا نَأْتِيهَا فَنَمْتَارَ مِنْهَا ، فَأَتَيْتُهَا يَوْمًا فَإِذَا الْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ ، فَسَأَلْتُ صَدِيقًا لِي مِنْهُمْ ، فَقَالَ : مَلِكُنَا الَّذِي نَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَى الْعَرَبِ يَدْخُلُ ، فَبِتُّ عِنْدَهُ عَلَى سَطْحٍ فَصَلَّيْتُ الْغَدَاةَ ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا لِرَهْجٍ مِنْ قِبَلِ الْعَسْكَرِ فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ قُبَّةٌ مِنْ رَيْحَانٍ وَالْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَعُدْ حَتَّى السَّاعَةَ . قُلْتُ : وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ مَا عَرَفْتُهُ وَالْبَاقُونَ ثِقَاتٌ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ مَاتَ .
قُلْتُ : وَهَذَا يُضَعِّفُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ ، وَلَا يَلْتَئِمُ خَبَرُ جَابِرٍ هَذَا مَعَ خَبَرِ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ لِأَنَّ فَتْحَ أَصْبَهَانَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِهَا ، وَبَيْنَ قَتْلِ عُمَرَ وَوَقْعَةِ الْحَرَّةِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ إِنَّمَا شَاهَدَهَا وَالِدُ حَسَّانَ بَعْدَ فَتْحِ أَصْبَهَانَ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ ، وَيَكُونُ جَوَابُ لَمَّا فِي قَوْلِهِ : لَمَّا افْتَتَحْنَا أَصْبَهَانَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ : صِرْتُ أَتَعَاهَدُهَا وَأَتَرَدَّدُ إِلَيْهَا فَجَرَتْ قِصَّةُ ابْنِ صَيَّادٍ ، فَلَا يَتَّحِدُ زَمَانُ فَتْحِهَا وَزَمَانُ دُخُولِهَا ابْنِ صَيَّادٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا : إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ ، وَمِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ : لَكِنَّ عِنْدَهُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ : كَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ مِنْ جُمْلَةِ قُرَى أَصْبَهَانَ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودِيَّةَ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِسُكْنَى الْيَهُودِ ، قَالَ : وَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَصَّرَهَا أَيُّوبَ بْنَ زِيَادٍ أَمِيرِ مِصْرَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ ، فَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ وَبَقِيَتْ لِلْيَهُودِ مِنْهَا قِطْعَةٌ مُنْفَرِدَةٌ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ : يَتْبَعُ الدَّجَّالَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ يَهُودِيَّةَ أَصْبَهَانَ ، يُرِيدُ الْبَلَدَ الْمَذْكُورَ لَا أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ أَهْلِ أَصْبَهَانَ يَهُودَ ، وَأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِالدَّجَّالِ وَخُرُوجِهِ إِذَا ضُمَّتْ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفِتَنِ انْتَظَمَتْ مِنْهَا لَهُ تَرْجَمَةٌ تَامَّةٌ ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَشُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، قَالُوا جَمِيعًا : الدَّجَّالُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ مُوثَقٌ بِسَبْعِينَ حَلْقَةٍ فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْيَمَنِ ، لَا يَعْلَمُ مَنْ أَوْثَقَهُ سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ أَوْ غَيْرُهُ ، فَإِذَا آنَ ظُهُورُهُ فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ عَامٍ حَلْقَةً . فَإِذَا بَرَزَ أَتَتْهُ أَتَانُ عَرْضُ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا فَيَضَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْبَرًا مِنْ نُحَاسٍ وَيَقْعُدُ عَلَيْهِ وَيَتْبَعُهُ قَبَائِلُ الْجِنِّ يُخْرِجُونَ لَهُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ .
قُلْتُ : وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ كَوْنُ ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالِ ، وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كَوْنِهِمْ ثِقَاتٍ تَلَقَّوْا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الدَّجَّالَ تَلِدُهُ أُمُّهُ بِقُوصٍ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ، قَالَ : وَبَيْنَ مَوْلِدِهِ وَمَخْرَجِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ، قَالَ : وَلَمْ يَنْزِلْ خَبَرُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ ، انْتَهَى . وَأَخْلِقْ بِهَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنَا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ .
وَكَوْنُهُ يُولَدُ قَبْلَ مَخْرَجِهِ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُخَالِفٌ لِكَوْنِهِ ابْنَ صَيَّادٍ ، وَلِكَوْنِهِ مُوَثَّقًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَصِيفٍ الْمُؤَرِّخُ أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْ وَلَدِ شَقِّ الْكَاهِنِ الْمَشْهُورِ ، قَالَ : وَقَالَ : بَلْ هُوَ شَقَّ نَفْسَهُ أَنْظَرَهُ اللَّهُ وَكَانَتْ أُمُّهُ جِنِّيَّةً عَشِقَتْ أَبَاهُ فَأَوْلَدَهَا ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَعْمَلُ لَهُ الْعَجَائِبَ ، فَأَخَذَهُ سُلَيْمَانُ فَحَبَسَهُ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ ، وَهَذَا أَيْضًا فِي غَايَةِ الْوَهْيِ ، وَأَقْرَبُ مَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ مَا تَضَمَنَّهُ حَدِيثُ تَمِيمٍ وَكَوْنِ ابْنِ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ ، أَنَّ الدَّجَّالَ بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي شَاهَدَهُ تَمِيمٌ مُوَثَّقًا ، وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ شَيْطَانٌ تَبَدَّى فِي صُورَةِ الدَّجَّالِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ إِلَى أَنْ تَوَجَّهَ إِلَى أَصْبَهَانَ ، فَاسْتَتَرَ مَعَ قَرِينِهِ إِلَى أَنْ تَجِيءَ الْمُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى خُرُوجَهُ فِيهَا ، وَلِشِدَّةِ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ سَلَكَ الْبُخَارِيُّ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي ابْنِ صَيَّادٍ ، وَلَمْ يُخْرِجْ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ غَرِيبٌ فَرُدَّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ مَعَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةُ ، وَجَابِرٌ ، أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْمُحْرِزِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ بِطُولِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا وَابْنُ مَاجَهْ عَقِبَ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَلَقِيتُ الْمُحْرِزَ فَذَكَرَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : اسْتَوَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي تَمِيمٌ - فَرَأَى تَمِيمًا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ - فَقَالَ : يَا تَمِيمُ حَدِّثِ النَّاسَ بِمَا حَدَّثْتَنِي فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَإِذَا أَحَدُ مَنْخَرَيْهِ مَمْدُودٌ ، وَإِحْدَى عَيْنَيْهِ مَطْمُوسَةٌ ، الْحَدِيثَ وَفِيهِ : لَأَطَأَنَّ الْأَرْضَ بِقَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا مَكَّةَ وَطَابَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ ، حَدَّثَتْنِي بِمَا حَدَّثَتْكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ .
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنَّهُ : بَيْنَمَا أُنَاسٌ يَسِيرُونَ فِي الْبَحْرِ فَنَفِدَ طَعَامُهُمْ ، فَرُفِعَتْ لَهُمْ جَزِيرَةٌ فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْخَبَرَ ، فَلَقِيَتْهُمُ الْجَسَّاسَةُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : سُؤَالُهُمْ عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ ، وَفِيهِ أَنَّ جَابِرًا شَهِدَ أَنَّهُ ابْنُ صَيَّادٍ ، فَقُلْتُ : إِنَّهُ قَدْ مَاتَ ، قَالَ : وَإِنْ مَاتَ ، قُلْتُ : فَإِنَّهُ أَسْلَمَ ، قَالَ : وَإِنْ أَسْلَمَ ، قُلْتُ : فَإِنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، قَالَ : وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، وَفِي كَلَامِ جَابِرٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَمْرَهُ مُلَبَّسٌ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ أَمْرِهِ إِذْ ذَاكَ لَا يُنَافِي مَا تَوَقَّعَ مِنْهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَأَنْ أَحْلِفَ عَشْرَ مِرَاتٍ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ ، لَكِنْ قَالَ : سَبْعًا بَدَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ، وَمِنْ صُوَرِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَنَّ مَنْ وَجَدَ بِخَطِّ أَبِيهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَنَّ لَهُ عِنْدَ شَخْصٍ مَالًا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَنَّ لَهُ إِذَا طَالَبَهُ ، وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ قَبْضَ ذَلِكَ مِنْهُ .