حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ 7378 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ ؛ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَالْحَفْصَوِيِّ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ : إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ إِلَخْ ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ ، وَالْكِرْمَانِيُّ ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّغَانِيُّ ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ تَغْيِيرِهِمْ ؛ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ خِلَافَ الْقِرَاءَةِ ، قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . قُلْتُ : وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ كَذَلِكَ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ : الْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ السُّكَّرِيُّ ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ) الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا : وَيَرْزُقُهُمْ وَقَوْلُهُ : يَدْعُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ وَجَاءَ تَشْدِيدُهَا ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : تَضَمَّنَ هَذَا الْبَابُ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى : صِفَةُ ذَاتٍ ، وَصِفَةُ فِعْلٍ ، فَالرِّزْقُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّ رَازِقًا يَقْتَضِي مَرْزُوقًا ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ وَلَا مَرْزُوقٌ ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَهُوَ مُحْدَثٌ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الرَّزَّاقُ ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَرْزُقُ إِذَا خَلَقَ الْمَرْزُوقِينَ . وَالْقُوَّةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ ، وَلَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَا قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ ، وَلَمْ تَزَلْ قُدْرَتُهُ مَوْجُودَةً قَائِمَةً بِهِ مُوجِبَةً لَهُ حُكْمَ الْقَادِرِينَ .

وَالْمَتِينُ بِمَعْنَى الْقَوِيِّ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ : الثَّابِتُ الصَّحِيحُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْقَوِيُّ التَّامُّ الْقُدْرَةِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَجْزٌ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْقُدْرَةِ ، وَالْقَادِرُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ الشَّامِلَةُ وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ ، وَالْمُقْتَدِرُ هُوَ التَّامُّ الْقُدْرَةِ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ . وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقُوَّةَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ذُو الْقُوَّةِ ، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ذُو الْقُوَّةِ : الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ وَالْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ ، فَجَرَى عَلَى طَرِيقتهِمْ فِي أَنَّ الْقُدْرَةَ نَفْسِيَّةٌ ، خِلَافًا لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ : إِنَّهَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَقْدُورٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : كَوْنُ الْقُدْرَةِ قَدِيمَةً وَإِفَاضَةِ الرِّزْقِ حَادِثَةً لَا يَتَنَافَيَانِ ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ هُوَ التَّعَلُّقُ ، وَكَوْنُهُ رَزَقَ الْمَخْلُوقَ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّغَيُّرَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ فِي التَّعَلُّقِ ؛ فَإِنَّ قُدْرَتَهُ لَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَةً بِإِعْطَاءِ الرِّزْقِ بَلْ بِكَوْنِهِ سَيَقَعُ ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَغَيَّرَ الصِّفَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الِاخْتِلَافُ : هَلِ الْقُدْرَةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ أَوْ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ ؟ فَمَنْ نَظَرَ فِي الْقُدْرَةِ إِلَى الِاقْتِدَارِ عَلَى إِيجَادِ الرِّزْقِ قَالَ : هِيَ صِفَةُ ذَاتٍ قَدِيمَةٌ ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ قَالَ : هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ حَادِثَةٌ ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ فِي الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ بِخِلَافِ الذَّاتِيَّةِ . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : أَصْبَرُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الصَّبْرِ ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : الصَّبُورُ وَمَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعَاجِلُ الْعُصَاةَ بِالْعُقُوبَةِ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَلِيمِ ، وَالْحَلِيمُ أَبْلَغُ فِي السَّلَامَةِ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَذَى أَذَى رُسُلِهِ وَصَالِحِي عِبَادِهِ ؛ لِاسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ أَذَى الْمَخْلُوقِينَ بِهِ ؛ لِكَوْنِهِ صِفَةَ نَقْصٍ ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ ، وَلَا يُؤَخِّرُ النِّقْمَةَ قَهْرًا بَلْ تَفَضُّلًا ، وَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ فِي نَفْيِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ عَنِ اللَّهِ أَذًى لَهُمْ ، فَأُضِيفَ الْأَذَى لِلَّهِ تَعَالَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِعْظَامِ لِمَقَالَتِهِمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ يُؤْذُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَأَوْلِيَاءَ رَسُولِهِ ، فَأُقِيمَ الْمُضَافُ مَقَامَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ مُطَابَقَةِ الْآيَةِ لِلْحَدِيثِ اشْتِمَالُهُ عَلَى صِفَتَيِ الرِّزْقِ وَالْقُوَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقُدْرَةِ ، أَمَّا الرِّزْقُ فَوَاضِحٌ مِنْ قَوْلِهِ : وَيَرْزُقُهُمْ ، وَأَمَّا الْقُوَّةُ فَمِنْ قَوْلِهِ : أَصْبَرُ ؛ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ مَعَ إِسَاءَتِهِمْ ، بِخِلَافِ طَبْعِ الْبَشَرِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُسِيءِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ تَكَلُّفِهِ ذَلِكَ شَرْعًا ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خَوْفَ الْفَوْتِ يَحْمِلُهُ عَلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْمُكَافَأَةِ بِالْعُقُوبَةِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ حَالًا وَمَآلًا ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَفُوتُهُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث