بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ و أَنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ قَالَ يَحْيَى : الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا . 7379 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ : لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أَنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فِي آخِرِ شَرْحِهِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَمَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ عِنْدَ شَرْحِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ هُنَا ، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَمِنَ الْحُجَجِ الْبَيِّنَةِ فِي إِثْبَاتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ ، وَحَرَّفَهُ الْمُعْتَزِلِيُّ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ ، فَقَالَ : أَنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الْخَاصِّ ، وَهُوَ تَأْلِيفُهُ عَلَى نَظْمٍ وَأُسْلُوبٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نَظْمَ الْعِبَارَاتِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ بَلْ دَالٌّ عَلَيْهِ ، وَلَا ضَرُورَةَ تُحْوِجُ إِلَى الْحَمْلِ عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ الْإِخْبَارُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ أَيْضًا : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَهُوَ عَالِمٌ ، فَأَوَّلَ عِلْمَهُ بِعَالِمٍ فِرَارًا مِنْ إِثْبَاتِ الْعِلْمِ لَهُ مَعَ تَصْرِيحِ الْآيَةِ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَتَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ : مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَوَقَعَ في حَدِيث الِاسْتِخَارَةِ الْمَاضِي فِي الدَّعَوَاتِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ .
وَأَمَّا الْآيَةُ الرَّابِعَةُ فَهِيَ كَالْأُولَى فِي إِثْبَاتِ الْعِلْمِ وَأَصْرَحُ ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ : قَوْلُهُ : بِعِلْمِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ، أَيْ لَا مَعْلُومَةَ بِعِلْمِهِ ، فَتَعَسَّفَ فِيمَا أَوَّلَ ، وَعَدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ . وَأَمَّا الْآيَةُ الْخَامِسَةُ فَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهَا : لَا يَعْلَمُ مَتَى وَقْتُ قِيَامِهَا غَيْرُهُ ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ وَقْت السَّاعَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذِهِ الْآيَاتِ إِثْبَاتُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّهُ عَالِمٌ بِلَا عِلْمٍ ، ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ عِلْمَهُ قَدِيمٌ وَجَبَ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِدَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ فِي الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْحَيَاةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ مُرِيدٌ بِدَلِيلِ تَخْصِيصِ الْمُمْكِنَاتِ بِوُجُودِ مَا وُجِدَ مِنْهَا بَدَلًا مِنْ عَدَمِهِ ، وَعَدَمُ الْمَعْدُومِ مِنْهَا بَدَلًا مِنْ وُجُودِهِ ، ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لَهَا بِصِفَةٍ يَصِحُّ مِنْهُ بِهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ أَوَّلًا ، وَالثَّانِي : لَوْ كَانَ فَاعِلًا لَهَا لَا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ، لَزِمَ صُدُورَ الْمُمْكِنَاتِ عَنْهُ صُدُورًا وَاحِدًا بِغَيْرِ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَلَا تَطْوِيرٍ ، وَلَكَانَ يَلْزَمُ قِدَمَهَا ضَرُورَةُ اسْتِحَالَةِ تَخَلُّفِ الْمُقْتَضِي عَلَى مُقْتَضَاهُ الذَّاتِيِّ ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْمُمْكِنِ وَاجِبًا ، وَالْحَادِثُ قَدِيمًا وَهُوَ مُحَالٌ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِصِفَةٍ يَصِحُّ مِنْهُ بِهَا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَهَذَا بُرْهَانُ الْمَعْقُولِ ، وَأَمَّا بُرْهَانُ الْمَنْقُولِ فَآيٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ رَبَّكَ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ثُمَّ الْفَاعِلُ لِلْمَصْنُوعَاتِ بِخَلْقِهِ بِالِاخْتِيَارِ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ وَهِيَ الِاخْتِيَارُ مَشْرُوطَةٌ بِالْعِلْمِ بِالْمُرَادِ ، وَوُجُودُ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ مُحَالٌ ؛ وَلِأَنَّ الْمُخْتَارَ لِلشَّيْءِ إِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَادِرًا عَلَيْهِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ صُدُورُ مُخْتَارِهِ وَمُرَادِهِ ، وَلَمَّا شُوهِدَتِ الْمَصْنُوعَاتُ صَدَرَتْ عَنْ فَاعِلِهَا الْمُخْتَارِ مِنْ غَيْرِ تَعَذُّرِ عِلْمٍ قَطَعْنَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِهَا ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ الْكَلَامِ فِي الْإِرَادَةِ فِي بَابِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ بَعْدَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ بَابًا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ وَغَيْرَهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا : كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ يَقُولُ : مَعْنَى الْعَلِيمِ يَعْلَمُ الْمَعْلُومَاتِ ، وَمَعْنَى الْخَبِيرِ يَعْلَمُ مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ، وَمَعْنَى الشَّهِيدِ يَعْلَمُ الْغَائِبَ كَمَا يَعْلَمُ الْحَاضِرَ ، وَمَعْنَى الْمُحْصِي لَا تَشْغَلُهُ الْكَثْرَةُ عَنِ الْعِلْمِ ، وَسَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى قَالَ : يَعْلَمُ مَا أَسَرَّ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ ، وَمَا أَخْفَى عَنْهُ مِمَّا سَيَفْعَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يَعْلَمُ السِّرَّ الَّذِي فِي نَفْسِكَ ، وَيَعْلَمُ مَا سَتَعْمَلُ غَدًا . قَوْلُهُ : ( قَالَ يَحْيَى : الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) يَحْيَى هَذَا هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْفَرَّاءُ النَّحْوِيُّ الْمَشْهُورُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لَهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى الظَّاهِرِ الْبَاطِنِ : الْعَالِمُ بِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا ، وَقِيلَ : الظَّاهِرُ بِالْأَدِلَّةِ الْبَاطِنُ بِذَاتِهِ ، وَقِيلَ : الظَّاهِرُ بِالْعَقْلِ الْبَاطِنُ بِالْحِسِّ ، وَقِيلَ : مَعْنَى الظَّاهِرِ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى شَيْءٍ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَعَلَاهُ ، وَالْبَاطِنُ الَّذِي بَطَنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، أَيْ عَلِمَ بَاطِنَهُ .
وَشَمَلَ قَوْلُهُ أَيْ كُلِّ شَيْءٍ علم مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ ؛ لِأَنَّ خَالِقَ الْمَخْلُوقَاتِ كُلَّهَا بِالِاخْتِيَارِ مُتَّصِفٌ بِالْعِلْمِ بِهِمْ وَالِاقْتِدَارِ عَلَيْهِمْ ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الِاخْتِيَارَ مَشْرُوطٌ بِالْعِلْمِ ، وَلَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَ شَرْطِهِ ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمُخْتَارَ لِلشَّيْءِ لَوْ كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَيْهِ لَتَعَذَّرَ مُرَادُهُ وَقَدْ وُجِدَتْ بِغَيْرِ تَعَذُّرٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِهَا ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يُتَخَصَّصُ عِلْمُهُ فِي تَعَلُّقِهِ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ ؛ لِوُجُوبِ قِدَمِهِ الْمُنَافِي لِقَبُولِ التَّخْصِيصِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَاتٌ ، وَالْجُزْئِيَّاتِ ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَاتٌ أَيْضًا ؛ وَلِأَنَّهُ مُرِيدٌ لِإِيجَادِ الْجُزْئِيَّاتِ ، وَالْإِرَادَةُ لِلشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا مَشْرُوطَةٌ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ الْمُرَادِ الْجُزْئِيِّ ، فَيَعْلَمُ الْمَرْئِيَّاتِ لِلرَّائِينَ وَرُؤْيَتَهُمْ لَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْخَاصِّ ، وَكَذَا الْمَسْمُوعَاتِ وَسَائِرَ الْمُدْرَكَاتِ لِمَا عُلِمَ ضَرُورَةً مِنْ وُجُوبِ الْكَمَالِ لَهُ وَأَضْدَادُ هَذِهِ الصِّفَاتِ نَقْصٌ ، وَالنَّقْصُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ ، وَضَلَّ مَنْ زَعَمَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْكُلِّيِّ لَا الْجُزْئِيِّ ، وَاحْتَجُّوا بِأُمُورٍ فَاسِدَةٍ مِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى مُحَالٍ وَهُوَ تَغَيُّرُ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ الْجُزْئِيَّاتِ زَمَانِيَّةٌ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ ، وَالْعِلْمُ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومَاتِ فِي الثَّبَاتِ وَالتَّغَيُّرِ ، فَيَلْزَمُ تَغَيُّرُ عِلْمِهِ ، وَالْعِلْمُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ فَتَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَهُوَ مُحَالٌ . وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّغَيُّرَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْأَحْوَالِ الْإِضَافِيَّةِ ، وَهَذَا مِثْلُ رَجُلٍ قَامَ عَنْ يَمِينِ الْأُسْطُوَانَةِ ثُمَّ عَنْ يَسَارِهَا ثُمَّ أَمَامَهَا ثُمَّ خَلْفَهَا ، فَالرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَتَغَيَّرُ وَالْأُسْطُوَانَةُ بِحَالِهَا ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَالِمٌ بِمَا كُنَّا عَلَيْهِ أَمْسِ ، وَبِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ الْآنَ ، وَبِمَا نَكُونُ عَلَيْهِ غَدًا ، وَلَيْسَ هَذَا خَبَرًا عَنْ تَغَيُّرِ عِلْمِهِ بَلِ التَّغَيُّرُ جَارٍ عَلَى أَحْوَالِنَا وَهُوَ عَالِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ ، وَأَمَّا السَّمْعِيَّةُ فَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ طَافِحٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَقَالَ : لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ وَقَالَ تَعَالَى : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ