حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ، وَهُوَ يَقُولُ : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مُخْتَصَرًا ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ وَهُوَ يَقُولُ : لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ، كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَعَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ : وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ ، ثُمَّ قَرَأَتْ : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَذِكْرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْسَبُ فِي هَذَا الْبَابِ ؛ لِمُوَافَقَتِهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَبْلَهُ ، لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ الَّتِي أَكْثَرَ مِنْهَا مِنَ اخْتِيَارِ الْإِشَارَةِ عَلَى صَرِيحِ الْعِبَارَةِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ فِي سُورَةِ لُقْمَانَ ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ بِهَذَا السَّنَدِ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَسَأَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ الْغَيْبَ مَا أَظُنُّهُ مَحْفُوظًا ، وَمَا أَحَدٌ يَدَّعِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا عُلِّمَ .

انْتَهَى . وَلَيْسَ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِيهِ بِلَفْظِ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ ، وَأَظُنُّهُ بُنِيَ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَتْ : مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ ثُمَّ قَالَتْ : وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ثَلَاثٌ مَنْ قَالَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ : مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلزَّاعِمِ ، وَلَكِنْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ بِلَفْظِ : أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ دَاوُدَ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ هَكَذَا بِالضَّمِيرِ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفْيِ مُتَعَقَّبٌ ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ لَمْ يَرْسَخْ فِي الْإِيمَانِ كَانَ يَظُنُّ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّ صِحَّةَ النُّبُوَّةِ تَسْتَلْزِمُ اطِّلَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْمُغَيَّبَاتِ ، كَمَا وَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ : أَنَّ نَاقَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَلَّتْ ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ - بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ وَزْنُ عَظِيمٍ - : يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ كَذَا وَكَذَا ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ فِي شِعْبِ كَذَا قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ ، فَذَهَبُوا فَجَاءُوهُ بِهَا ، فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ الْآيَةَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْغَيْبِ فِيهَا فَقِيلَ : هُوَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَقِيلَ : مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَحْيِ خَاصَّةً ، وَقِيلَ : مَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ السَّاعَةِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ لُقْمَانَ أَنَّ عِلْمَ السَّاعَةِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ، إِلَّا إِنْ ذَهَبَ قَائِلُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْبِ هُنَاكَ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِبْطَالُ الْكَرَامَاتِ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يُضَافُ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا أَوْلِيَاءَ مُرْتَضِينَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ ، وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِنْ بَيْنَ الْمُرْتَضِينَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ ، وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ : قَوْلُهُ : عَلَى غَيْبِهِ ، لَفْظٌ مُفْرَدٌ وَلَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبٍ وَاحِدٍ مِنْ غُيُوبِهِ أَحَدًا إِلَّا الرُّسُلَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى وَقْتِ وُقُوعِ الْقِيَامَةِ ، وَيُقَوِّيهِ ذِكْرُهَا عَقِبَ قَوْلِهِ : أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ أَيْضًا : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ، أَيْ : لَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ الْمَخْصُوصِ أَحَدًا لَكِنْ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ؛ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ حِفْظَهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ : يُخَصَّصُ الرَّسُولُ بِالْمَلَكِ فِي اطِّلَاعِهِ عَلَى الْغَيْبِ ، وَالْأَوْلِيَاءُ يَقَعُ لَهُمْ ذَلِكَ بِالْإِلْهَامِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ دَعْوَى الزَّمَخْشَرِيِّ عَامَّةٌ وَدَلِيلُهُ خَاصٌّ ، فَالدَّعْوَى امْتِنَاعُ الْكَرَامَاتِ كُلِّهَا ، وَالدَّلِيلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَيْسَ فِيهِ إِلَّا نَفْيُ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكَرَامَاتِ ، انْتَهَى .

وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ عِلْمُ مَا سَيَقَعُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى تَفْصِيلِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا مَا يُكْشَفُ لَهُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْمُغَيَّبَةِ عَنْهُمْ وَمَا لَا يُخْرَقُ لَهُمْ مِنَ الْعَادَةِ ، كَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ لَطِيفَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْأَقْرَبُ تَخْصِيصُ الِاطِّلَاعِ بِالظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ ، فَإِطْلَاعُ اللَّهِ الْأَنْبِيَاءَ عَلَى الْمُغَيَّبِ أَمْكَنُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَرْفُ الِاسْتِعْلَاءِ فِي عَلَى غَيْبِهِ فَضَمَّنَ يُظْهِرُ مَعْنَى يُطْلِعُ ، فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ إِظْهَارًا تَامًّا وَكَشْفًا جَلِيًّا إِلَّا لِرَسُولٍ يُوحَى إِلَيْهِ مَعَ مَلَكٍ وَحَفَظَةٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا وَتَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الْكَرَامَاتُ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ التَّلْوِيحِ وَاللَّمَحَاتِ ، وَلَيْسُوا فِي ذَلِكَ كَالْأَنْبِيَاءِ . وَقَدْ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ بِأَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ لَا تُضَاهِي مَا هُوَ مُعْجِزَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ : الْأَنْبِيَاءُ مَأْمُورُونَ بِإِظْهَارِهَا ، وَالْوَلِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْفَاؤُهَا ، وَالنَّبِيُّ يَدَّعِي ذَلِكَ بِمَا يَقْطَعُ بِهِ بِخِلَافِ الْوَلِيِّ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ الِاسْتِدْرَاجَ .

وَفِي الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الْمُنَجِّمِينَ وَعَلَى كُلِّ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَى مَا سَيَكُونُ مِنْ حَيَاةٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْقُرْآنِ ، وَهُمْ أَبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضَاءِ مَعَ سَلْبِ صِفَةِ الرُّسُلِيَّةِ عَنْهُمْ . وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ - إِلَى أَنْ قَالَ : - لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ فَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ لَا يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ إِلَّا اللَّهُ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى أَقْوَالٍ : فَقِيلَ : مَا يَنْقُصُ مِنَ الْخِلْقَةِ وَمَا يَزْدَادُ فِيهَا ، وَقِيلَ : مَا يَنْقُصُ مِنَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ فِي الْحَمْلِ وَمَا يَزْدَادُ فِي النِّفَاسِ إِلَى السِّتِّينَ ، وَقِيلَ : مَا يَنْقُصُ بِظُهُورِ الْحَيْضِ فِي الْحَبَلِ بِنَقْصِ الْوَلَدِ ، وَمَا يَزْدَادُ عَلَى التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ بِقَدْرِ مَا حَاضَتْ ، وَقِيلَ : مَا يَنْقُصُ فِي الْحَمْلِ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَمَا يَزْدَادُ بِدَمِ النِّفَاسِ مِنْ بَعْدِ الْوَضْعِ ، وَقِيلَ : مَا يَنْقُصُ مِنَ الْأَوْلَادِ قَبْلُ ، وَمَا يَزْدَادُ مِنَ الْأَوْلَادِ بَعْدُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - : اسْتَعَارَ لِلْغَيْبِ مَفَاتِيحَ اقْتِدَاءً بِمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ وَلِيُقَرِّبَ الْأَمْرَ عَلَى السَّامِعِ ؛ لِأَنَّ أُمُورَ الْغَيْبِ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا عَالِمُهَا ، وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا غَابَ الْأَبْوَابُ ، وَالْمَفَاتِيحُ أَيْسَرُ الْأَشْيَاءِ لِفَتْحِ الْبَابِ ، فَإِذَا كَانَ أَيْسَرُ الْأَشْيَاءِ لَا يُعْرَفُ مَوْضِعُهَا فَمَا فَوْقَهَا أَحْرَى أَنْ لَا يُعْرَفَ . قَالَ : وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الْعِلْمِ عَنِ الْغَيْبِ الْحَقِيقِيِّ ؛ فَإِنَّ لِبَعْضِ الْغُيُوبِ أَسْبَابًا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهَا ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقِيًّا قَالَ : فَلَمَّا كَانَ جَمِيعُ مَا فِي الْوُجُودِ مَحْصُورًا فِي عِلْمِهِ شَبَّهَهُ الْمُصْطَفَى بِالْمَخَازِنِ ، وَاسْتَعَارَ لِبَابِهَا الْمِفْتَاحَ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِي جَعْلِهَا خَمْسًا الْإِشَارَةُ إِلَى حَصْرِ الْعَوَالِمِ فِيهَا ، فَفِي قَوْلِهِ : وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَزِيدُ فِي النَّفْسِ وَيَنْقُصُ ، وَخَصَّ الرَّحِمَ بِالذِّكْرِ ؛ لِكَوْنِ الْأَكْثَرِ يَعْرِفُونَهَا بِالْعَادَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَنَفَى أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ حَقِيقَتَهَا ، فَغَيْرَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .

وَفِي قَوْلِهِ : وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ إِشَارَةٌ إِلَى أُمُورِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ ، وَخَصَّ الْمَطَرَ مَعَ أَنَّ لَهُ أَسْبَابًا قَدْ تَدُلُّ بِجَرْيِ الْعَادَةِ عَلَى وُقُوعِهِ لَكِنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ . وَفِي قَوْلِهِ : وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِشَارَةٌ إِلَى أُمُورِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ ، مَعَ أَنَّ عَادَةَ أَكْثَرِ النَّاسِ أَنْ يَمُوتَ بِبَلَدِهِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ لَوْ مَاتَ فِي بَلَدِهِ لَا يُعْلَمُ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ يُدْفَنُ مِنْهَا ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَقْبَرَةٌ لِأَسْلَافِهِ بَلْ قَبْرٌ أَعَدَّهُ هُوَ لَهُ . وَفِي قَوْلِهِ : وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الزَّمَانِ ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ غَدٍ ؛ لِتَكُونَ حَقِيقَتُهُ أَقْرَبَ الْأَزْمِنَةِ ، وَإِذَا كَانَ مَعَ قُرْبِهِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا يَقَعُ فِيهِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ فَمَا بَعُدَ عَنْهُ أَوْلَى .

وَفِي قَوْلِهِ : وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى عُلُومِ الْآخِرَةِ ؛ فَإِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوَّلُهَا ، وَإِذَا نَفَى عِلْمَ الْأَقْرَبِ انْتَفَى عِلْمُ مَا بَعْدِهِ ، فَجَمَعَتِ الْآيَةُ أَنْوَاعَ الْغُيُوبِ وَأَزَالَتْ جَمِيعَ الدَّعَاوِي الْفَاسِدَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوْفِيقٍ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث