بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ 7403 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ . قَالَ الرَّاغِبُ : نَفْسُهُ : ذَاتُهُ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُضَافٌ وَمُضَافٌ إِلَيْهِ فَلَا شَيْءَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى سِوَى وَاحِدٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنِ الِاثْنَيْنِيَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَقِيلَ : إِنَّ إِضَافَةَ النَّفْسِ هُنَا إِضَافَةُ مِلْكٍ ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ نُفُوسُ عِبَادِهِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ الْأَخِيرِ وَتَكَلُّفُهُ .
وَتَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسَ وَذَكَرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ : أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ : إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . قُلْتُ : وَفِيهِ أَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ : سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَالنَّفْسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى أَوْجُهٍ مِنْهَا الْحَقِيقَةُ كَمَا يَقُولُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَلَيْسَ لِلْأَمْرِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ ، وَمِنْهَا الذَّاتُ ، قَالَ : وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّ مَعْنَاهُ تَعْلَمُ مَا أَكُنُّهُ وَمَا أُسِرُّهُ وَلَا أَعْلَمُ مَا تُسِرُّهُ عَنِّي ، وَقِيلَ : ذِكْرُ النَّفْسِ هُنَا لِلْمُقَابَلَةِ وَالْمُشَاكَلَةِ وَتُعُقِّبَ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَلَيْسَ فِيهَا مُقَابَلَةٌ ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أَيْ : إِيَّاهُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : لَا أَعْلَمُ ذَاتَكَ .
ثَانِيهَا : لَا أَعْلَمُ مَا فِي غَيْبِكَ . ثَالِثُهَا : لَا أَعْلَمُ مَا عِنْدَكَ ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ لَا أَعْلَمُ مَعْلُومَكَ أَوْ إِرَادَتَكَ أَوْ سِرَّكَ أَوْ مَا يَكُونُ مِنْكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ . أَحَدُهَا : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ - وَفِيهِ - وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ كَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ وَهُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَذْكُورُ هُنَا أَتَمُّ مِنْهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى أَبِي وَائِلٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، نَحْوَهُ ، وَزَادَ فِيهِ : وَلَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ الْآتِي فِي بَابِ : لَا شَخْصَ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ : إِثْبَاتُ النَّفْسِ لِلَّهِ ، وَلِلنَّفْسِ مَعَانٍ ، وَالْمُرَادُ بِنْفَسُ اللَّهُ ذَاتَهُ ، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ مَزِيدٍ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ فَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْكُسُوفِ ، وَقِيلَ : غَيْرَةُ اللَّهِ كَرَاهَةُ إِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ ، أَيْ : عَدَمُ رِضَاهُ بِهَا لَا التَّقْدِيرُ ، وَقِيلَ : الْغَضَبُ لَازِمُ الْغَيْرَةِ ، وَلَازِمُ الْغَضَبِ إِرَادَةُ إِيصَالِ الْعُقُوبَةِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا ذِكْرُ النَّفْسِ ، وَلَعَلَّهُ أَقَامَ اسْتِعْمَالَ أَحَدَ مَقَامَ النَّفْسِ لِتَلَازُمِهِمَا فِي صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ ، ثُمَّ قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ ، فَنَقَلَهُ النَّاسِخُ إِلَى هَذَا الْبَابِ ، انْتَهَى .
وَكُلُّ هَذَا غَفْلَةٌ عَنْ مُرَادِ الْبُخَارِيِّ ، فَإِنَّ ذِكْرَ النَّفْسِ ثَابِتٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كَعَادَتِهِ ، فَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ بِلَفْظِ : لَا شَيْءَ ، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ بِلَفْظِ : وَلَا أَحَدَ ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى : أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَقَدْ كَثُرَ مِنْهُ أَنْ يُتَرْجِمَ بِبَعْضِ مَا وَرَدَ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَدْرُ مَوْجُودًا فِي تِلْكَ التَّرْجَمَةِ . وَقَدْ سَبَقَ الْكِرْمَانِيَّ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنِيرِ ، فَقَالَ : تَرْجَمَ عَلَى ذِكْرِ النَّفْسِ فِي حَقِّ الْبَارِي ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلنَّفْسِ ذِكْرٌ ، فَوَجْهُ مُطَابَقَتِهِ أَنَّهُ صَدَّرَ الْكَلَامَ بِأَحَدٍ ، وَأَحَدٌ الْوَاقِعُ فِي النَّفْيِ عِبَارَةٌ عَنِ النَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ بِخِلَافِ أَحَدٌ الْوَاقِعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾انْتَهَى . وَخَفِيَ عَلَيْهِ مَا خَفِيَ عَلَى الْكِرْمَانِيِّ مَعَ أَنَّهُ تَفَطَّنَ لِمِثْلِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : قَوْلُ الْقَائِلِ مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا نَفْيُ الْأَنَاسِيِّ ، وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ : مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدًا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا صِحَّةُ الْإِطْلَاقِ مَا انْتَظَمَ الْكَلَامُ كَمَا يَنْتَظِمُ : مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ زَيْدٍ فَإِنَّ زَيْدًا مِنَ الْأَحَدِينَ بِخِلَافِ مَا أَحَدٌ أَحْسَنُ مِنْ ثَوْبِي فَإِنَّهُ لَيْسَ مُنْتَظِمًا ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَيْسَ مِنَ الْأَحَدِينَ .