بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ - وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ - إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ ) ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِغَيْرِهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ، وَعَلَى الثَّانِي فَيَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : كَتَبَ ، وَالْمَكْتُوبُ هُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ رَحْمَتِي إِلَخْ ، وَقَوْلُهُ : وَهُوَ ، أَيِ : الْمَكْتُوبُ وَضْعٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، أَيْ : مَوْضُوعٌ ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ بِلَفْظِ مَوْضُوعٌ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْمَذْكُورِ فِي السَّنَدِ ، وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيُّ ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : وَضَعَ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ ، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ بِكَسْرِ الضَّادِ مَعَ التَّنْوِينِ ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَائِلِ بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَيَأْتِي شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي بَابِ : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَفِي بَابِ : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾أَوَاخِرَ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : عِنْدَهُ ، فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : عِنْدَ فِي اللُّغَةِ لِلْمَكَانِ ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُلُولِ فِي الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ الْحُلُولَ عَرَضٌ يَفْنَى وَهُوَ حَادِثٌ وَالْحَادِثُ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ : مَعْنَاهُ أنَّهُ سَبَقَ عِلْمُهُ بِإِثَابَةِ مَنْ يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ ، وَعُقُوبَةِ مَنْ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَتِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَلَا مَكَانَ هُنَاكَ قَطْعًا ، وَقَالَ الرَّاغِبُ عِنْدَ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلْقُرْبِ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكَانِ وَهُوَ الْأَصْلُ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الِاعْتِقَادِ ، تَقُولُ : عِنْدِي فِي كَذَا كَذَا ، أَيْ : أَعْتَقِدُهُ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَرْتَبَةِ ، وَمِنْهُ : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَمَعْنَاهُ مِنْ حُكْمِكَ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ مَعْنَى الْعِنْدِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْعَرْشِ ، وَأَمَّا كَتْبُهُ فَلَيْسَ لِلِاسْتِعَانَةِ لِئَلَّا يَنْسَاهُ فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا كَتَبَهُ مِنْ أَجْلِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْمُكَلَّفِينَ .