17 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي تُغَذَّى ، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا 7407 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ . 7408 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ، إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي تُغَذَّى ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ثَقِيلَةٌ مِنَ التَّغْذِيَةِ ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَلَيْسَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذَفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فَإِنَّهُ تَفْسِيرُ تُصْنَعَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ طَهَ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا التَّفْسِيرُ لِقَتَادَةَ ، وَيُقَالُ : صَنَعْتُ الْفَرَسَ إِذَا أَحْسَنْتَ الْقِيَامَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ، أَيْ : بِعِلْمِنَا ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ ، ثُمَّ أَنَسٍ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَا مَشْرُوحَيْنِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَفِيهِمَا أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، وَقَوْلُهُ هُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، وَذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ عَنْ مُسَدَّدٍ بَدَلَ مُوسَى ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءٍ عَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي آخِرِهِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُمَا ، قَالَ الرَّاغِبُ : الْعَيْنُ : الْجَارِحَةُ ، وَيُقَالُ لِلْحَافِظِ لِلشَّيْءِ الْمُرَاعِي لَهُ : عَيْنٌ ، وَمِنْهُ فُلَانٌ بِعَيْنِي أَيْ أَحْفَظُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا أَيْ : نَحْنُ نَرَاكَ وَنَحْفَظُكَ ، وَمِثْلُهُ : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا وَقَوْلُهُ : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أَيْ : بِحِفْظِي ، قَالَ : وَتُسْتَعَارُ الْعَيْنُ لِمَعَانٍ أُخْرَى كَثِيرَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : احْتَجَّتِ الْمُجَسِّمَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ : وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ عَيْنَهُ كَسَائِرِ الْأَعْيُنِ ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِحَالَةِ الْجِسْمِيَّةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ حَادِثٌ وَهُوَ قَدِيمٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ النَّقْصِ عَنْهُ ، انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْعَيْنُ صِفَةُ ذَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الرُّؤْيَةُ ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أَيْ : لِتَكُونَ بِمَرْأًى مِنِّي ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا أَيْ : بِمَرْأًى مِنَّا وَالنُّونُ لِلتَّعْظِيمِ ، وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَإِنَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ مَعْنَاهَا الْقُدْرَةُ ، صَرَّحَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا صِفَةَ ذَاتٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَيْنِ لِلَّهِ مِنْ حَدِيثِ الدَّجَّالِ ، مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَوَرَ عُرْفًا عَدَمُ الْعَيْنِ وَضِدُّ الْعَوَرِ ثُبُوتُ الْعَيْنِ ، فَلَمَّا نُزِعَتْ هَذِهِ النَّقِيصَةُ لَزِمَ ثُبُوتُ الْكَمَالِ بِضِدِّهَا وَهُوَ وُجُودُ الْعَيْنِ ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ لَا عَلَى مَعْنَى إِثْبَاتِ الْجَارِحَةِ ، قَالَ : وَلِأَهْلِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْعَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهَا صِفَاتُ ذَاتٍ أَثْبَتَهَا السَّمْعُ وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعَقْلُ ، وَالثَّانِي أَنَّ الْعَيْنَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْبَصَرِ ، وَالْيَدَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ ، وَالْوَجْهَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْوُجُودِ ، وَالثَّالِثُ إِمْرَارُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ مُفَوَّضًا مَعْنَاهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْعَقِيدَةِ لَهُ ، أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِهِ الِاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ وَالنَّفْسُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ ، فَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ ، إِذْ لَوْلَا إِخْبَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا تَجَاسَرَ عَقْلٌ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ ذَلِكَ الْحِمَى ، قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ ، وَبِهِ يَقُولُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا الْمَنْعُ مِنْ ذِكْرِهِ ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَيُنْزِلَ عَلَيْهِ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ثُمَّ يَتْرُكَ هَذَا الْبَابَ فَلَا يُمَيِّزَ مَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ مَعَ حَضِّهِ عَلَى التَّبْلِيغِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، حَتَّى نَقَلُوا أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ وَصِفَاتِهُ ، وَمَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِيمَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْهَا ، وَوَجَبَ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَمَنْ أَوْجَبَ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ سَبِيلَهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ سُئِلْتُ : هَلْ يَجُوزُ لِقَارِئِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَجَبْتُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أنَّهُ إِنْ حَضَرَ عِنْدَهُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى مُعْتَقَدِهِ ، وَكَانَ يَعْتَقِدُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ وَأَرَادَ التَّأَسِّي مَحْضًا جَازَ ، وَالْأَوْلَى بِهِ التَّرْكُ خَشْيَةَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى مَنْ يَرَاهُ شُبْهَةَ التَّشْبِيهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي حَمْلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنًى خَطَرَ لِي فِيهِ إِثْبَاتُ التَّنْزِيهِ ، وَحَسْمُ مَادَّةِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ ، وَهُوَ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى عَيْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَيْنِ الدَّجَّالِ فَإِنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً مِثْلَ هَذِهِ ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا الْعَوَرُ لِزِيَادَةِ كَذِبِهِ فِي دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْعَيْنِ مِثْلَ هَذِهِ فَطَرَأَ عَلَيْهَا النَّقْصُ ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ .
المصدر: فتح الباري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-34/h/355708
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة