بَاب مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْخَلَائِقِ
بَاب مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَما مِنْ الْخَلَائِقِ ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَمْرُهُ ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ ، وَهُوَ الْخَالِقُ الْمُكَوِّنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ 7452 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ، ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَرَأَ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ - إِلَى قَوْلِهِ - لأُولِي الأَلْبَابِ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ ، ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ ، أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخَلَائِقِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ تَخْلِيقِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلْآيَةِ ، وَأَمَّا التَّخْلِيقُ فَإِنَّهُ مِنْ خَلَّقَ بِالتَّشْدِيدِ ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى تَفْسِيرِهِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ وَأَمْرُهُ ) الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هُنَا قَوْلُهُ : كُنْ ، وَالْأَمْرُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعَانٍ مِنْهَا صِيغَةُ أَفْعِلْ ، وَمِنْهَا الصِّفَةُ وَالشَّأْنُ ، وَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ هُنَا .
قَوْلُهُ : ( فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ ) كَذَا ثَبَتَ لِلْجَمِيعِ ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ : فِي رِوَايَتِهِ وَكَلَامِهِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ الْخَالِقُ الْمُكَوِّنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ) الْمُكَوِّنُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ لَمْ يَرِدْ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، وَلَكِنْ وَرَدَ مَعْنَاهُ وَهُوَ الْمُصَوِّرُ ، وَقَوْلُهُ : وَكَلَامِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَأَمْرِهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا قَوْلُهُ : كُنْ ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِعْلِهِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَهُوَ أَوْلَى لِيَصِحَّ لَفْظُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، كَذَا قَالَ وَسِيَاقُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَا يَنْشَأُ عَنِ الْفِعْلِ ، فَالْأَوَّلُ مِنْ صِفَةِ الْفَاعِلِ ، وَالْبَارِي غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَصِفَاتُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ ، وَأَمَّا مَفْعُولُهُ وَهُوَ مَا يَنْشَأُ عَنْ فِعْلِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هُنَا الْمَأْمُورُ بِهِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ إِنْ قُلْنَا : الضَّمِيرَ لِلَّهِ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : أَنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ ، وَفِيهِ : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ فَسَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ احْتِجَاجُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى : كُنْ ، وَقَدْ عُطِفَ عَلَى الْخَلْقِ ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، وَ كُنْ مِنْ كَلَامِهِ ، فَصَحَّ الِاسْتِدْلَالُ ، وَوَهَمَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَأْمُورُ فَهُوَ الَّذِي يُوجَدُ بِكُنْ ، وَكُنْ صِيغَةُ الْأَمْرِ ، وَهِيَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَالَّذِي يُوجَدُ بِهَا هُوَ الْمَخْلُوقُ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ ؛ لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْهُ ، ثُمَّ وَجَدْتُ بَيَانَ مُرَادِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَفْرَدَهُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ ، فَقَالَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْفَاعِلِ وَالْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ ، فَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ : الْأَفَاعِيلُ كُلُّهَا مِنَ الْبَشَرِ ، وَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ : الْأَفَاعِيلُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ ، وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ : الْفِعْلُ وَالْمَفْعُولُ وَاحِدٌ ، وَلِذَلِكَ قَالُوا : كُنْ مَخْلُوقٌ ، وَقَالَ السَّلَفُ : التَّخْلِيقُ فِعْلُ اللَّهِ وَأَفَاعِيلُنَا مَخْلُوقَةٌ ، فَفِعْلُ اللَّهِ صِفَةُ اللَّهِ وَالْمَفْعُولُ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ انْتَهَى .
وَمَسْأَلَةُ التَّكْوِينِ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَصْلُهَا : إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا : هَلْ صِفَةُ الْفِعْلِ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ ؟ فَقَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ قَدِيمَةٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ ابْنُ كِلَابٍ ، وَالْأَشْعَرِيُّ : هِيَ حَادِثَةٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ قَدِيمًا ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْأَزَلِ صِفَةُ الْخَلْقِ وَلَا مَخْلُوقَ ، وَأَجَابَ الْأَشْعَرِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ خَلْقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ ، كَمَا لَا يَكُونُ ضَارِبٌ وَلَا مَضْرُوبٌ ، فَأَلْزَمُوهُ بِحُدُوثِ صِفَاتٍ فَيَلْزَمُ حُلُولُ الْحَوَادِثِ . بِاللَّهِ ، فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تُحْدِثُ فِي الذَّاتِ شَيْئًا جَدِيدًا فَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُسَمَّى فِي الْأَزَلِ خَالِقًا وَلَا رَازِقًا ، وَكَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِيهِ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ فَانْفَصَلَ بَعْضُ الْأَشْعَرِيَّةِ بِأَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَدَمُهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ ، وَلَمْ يَرْتَضِ هَذَا بَعْضُهُمْ بَلْ قَالَ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ : إِنَّ الْأَسَامِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَعْلَامِ وَالْعَلَمُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ فِي اللُّغَةِ ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلَفْظُ الْخَالِقِ الرَّازِقِ صَادِقٌ عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْبَحْثُ إِنَّمَا هُوَ فِيهَا لَا فِي الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فَأَلْزَمُوهُ بِتَجْوِيزِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْفِعْلُ ، فَأَجَابَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ هُنَا شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ انْتَهَى . وَتَصَرُّفُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَقْتَضِي مُوَافَقَةَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَالصَّائِرُ إِلَيْهِ يَسْلَمُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَسْأَلَةِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ : غَرَضُهُ بَيَانُ أَنَّ جَمِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مَخْلُوقٌ ، لِقِيَامِ دَلَائِلِ الْحُدُوثِ عَلَيْهَا ، وَلِقِيَامِ الْبُرْهَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا خَالِقَ غَيْرُ اللَّهِ وَبُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الطَّبَائِعَ خَالِقَةٌ أَوِ الْأَفْلَاكَ أَوِ النُّورَ أَوِ الظُّلْمَةَ أَوِ الْعَرْشَ ، فَلَمَّا فَسَدَتْ جَمِيعُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى حُدُوثِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَافْتِقَارِهِ إِلَى مُحْدِثٍ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ مُحْدَثٍ لَا مُحْدِثَ لَهُ وَكِتَابُ اللَّهِ شَاهِدٌ بِذَلِكَ كَآيَةِ الْبَابِ ، اسْتُدِلَّ بِآيَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ وَأَنَّهُ خَلَّاقُ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ ، لِانْتِفَاءِ الْحَوَادِثِ عَنْهُ الدَّالَّةِ عَلَى حُدُوثِ مَنْ يَقُومُ بِهِ وَأَنَّ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ ، وَالْقُرْآنُ صِفَةٌ لَهُ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ كَانَ عَنْ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ وَتَكْوِينِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ لَهُ انْتَهَى . وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ . قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ ( فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرُ أَوْ بَعْضُهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْ نِصْفُهُ بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ .