وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين
وَهُوَ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ . حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ . ( ح ) ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ؛ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ .
قال رحمه الله : ( وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين . حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن سمرة بن جندب . ( ح ) ، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أيضا ، حدثنا وكيع ، عن شعبة وسفيان ، عن حبيب ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن المغيرة بن شعبة ؛ قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ) .
أما قَوْلُهُ : ( الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَدِّثُونَ وَغَيْرُهُمْ وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَجَمَاهِيرُ الْخَلَفِ ؛ وَهُوَ الْأَثَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْوِيِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ . وَقَالَ الْفُقَهَاءُ الْخُرَاسَانِيُّونَ : الْأَثَرُ هُوَ مَا يُضَافُ إِلَى الصَّحَابِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( الْمُغِيرَةُ ) فَبِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَذَكَرَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ يُقَالُ بِكَسْرِهَا أَيْضًا ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَحَدُ دُهَاةِ الْعَرَبِ ، كُنْيَتُهُ أَبُو عِيسَى ، وَيُقَالُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ .
مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ . أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ ، وَمِنْ طُرَفِ أَخْبَارِهِ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَحْصَنَ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثَمِائَةِ امْرَأَةٍ ، وَقِيلَ : أَلْفَ امْرَأَةٍ . وَأَمَّا ( سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ) فَبِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا ، وَهُوَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبِ بْنِ هِلَالٍ الْفَزَارِيُّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو سَعِيدٍ ، وَيُقَالُ : أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيُقَالُ : أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَيُقَالُ : أَبُو سُلَيْمَانَ .
مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ . وَأَمَّا ( سُفْيَانُ ) الْمَذْكُورُ هُنَا فَهُوَ الثَّوْرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السِّينَ مِنْ ( سُفْيَانَ ) مَضْمُومَةٌ ، وَتُفْتَحُ وَتُكْسَرُ . وَأَمَّا ( الْحَكَمُ ) فَهُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ ؛ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَآخِرَهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ هَاءٌ ، وَهُوَ مِنْ أَفْقَهِ التَّابِعِينَ وَعُبَّادِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا ( حَبِيبٌ ) فَهُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَيْسٍ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : كَانَ بِالْكُوفَةِ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهُمْ رَابِعٌ : حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ . وَكَانُوا أَصْحَابَ الْفُتْيَا ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ لِحَبِيبٍ .
وَفِي هَذَيْنِ الْإِسْنَادَيْنِ لَطِيفَتَانِ مِنْ عِلْمِ الْإِسْنَادِ ، إِحْدَاهُمَا أَنَّهُمَا إِسْنَادَانِ رُوَاتُهُمَا كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ ؛ الصَّحَابِيَّانِ وَشَيْخَا مُسْلِمٍ وَمَنْ بَيْنَهُمَا ، إِلَّا شُعْبَةَ فَإِنَّهُ وَاسِطِيٌّ ثُمَّ بَصْرِيٌّ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرٌ جِدًّا سَتَرَاهُ فِي مَوَاضِعِهِ ، حَيْثُ نُنَبِّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاللَّطِيفَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ فِيهِ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ ، وَهَذَا كثير ، وَقَدْ يَرْوِي ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَهُوَ أَيْضًا كَثِيرٌ ، لَكِنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ ، وَسَنُنَبِّهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا فِي مَوَاضِعِهِ .
وَقَدْ يَرْوِي أَرْبَعَةٌ تَابِعِيُّونَ عَنْ بَعْضٍ ، وَهَذَا قَلِيلٌ جِدًّا . وَكَذَلِكَ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا كُلِّهِ فِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ كَثِيرٌ ، وَثَلَاثَةٌ صَحَابَةٌ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَأَرْبَعَةٌ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَهُوَ قَلِيلٌ جِدًّا . وَقَدْ جَمَعْتُ أَنَا الرُّبَاعِيَّاتِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِأَسَانِيدِهَا وَجُمَلٍ مِنْ طُرُقِهَا .
وَأَمَّا ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ) فَإِنَّهُ مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ : مَا شَعُرَتُ أَنَّ النِّسَاءَ وَلَدَتْ مِثْلَهُ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ : رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى فِي حَلْقَةٍ فِيهَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَمِعُونَ لِحَدِيثِهِ وَيُنْصِتُونَ لَهُ ؛ فِيهِمُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ . مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ ، وَاسْمُ أَبِي لَيْلَى يَسَارٌ ، وَقِيلَ : بِلَالٌ ، وَقِيلَ : بُلَيْلٌ ؛ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبَيْنَ اللَّامَيْنِ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ .
وَقِيلَ : دَاوُدُ ، وَقِيلَ : لَا يُحْفَظُ اسْمُهُ . وَأَبُو لَيْلَى صَحَابِيٌّ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِصِفِّينَ . وَأَمَّا ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْفَقِيهُ الْمُتَكَرِّرُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالَّذِي لَهُ مَذْهَبٌ مَعْرُوفٌ فَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ( أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ ) : فَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقَدْ أَكْثَرَ مُسْلِمٌ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَعَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ ; وَلَكِنْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَكْثَرُ ، وَهُمَا أَيْضًا شَيْخَا الْبُخَارِيِّ ، وَهُمَا مَنْسُوبَانِ إِلَى جَدِّهِمَا ، وَاسْمُ أَبِيهِمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُوَاسْتِيٍّ ؛ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاوٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ ثُمَّ يَاءٍ مِنْ تَحْتٍ . وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ أَخٌ ثَالِثٌ اسْمُهُ الْقَاسِمُ ، وَلَا رِوَايَةَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ ، كَانَ ضَعِيفًا ، وَأَبُو شَيْبَةَ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ وَكَانَ قَاضِيَ وَاسِطٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ . وَأَمَّا ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَالِدُ بَنِي أَبِي شَيْبَةَ فَكَانَ عَلَى قَضَاءِ فَارِسَ ، وَكَانَ ثِقَةٌ ؛ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ .
وَيُقَالُ لِأَبِي شَيْبَةَ وَابْنِهِ وَبَنِي ابْنِهِ : عَبْسِيُّونَ ؛ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ . وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ فَحَافِظَانِ جَلِيلَانِ ، وَاجْتَمَعَ فِي مَجْلِسِ أَبِي بَكْرٍ نَحْوُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رَجُلٍ ، وَكَانَ أَجَلَّ مِنْ عُثْمَانَ وَأَحْفَظَ ، وَكَانَ عُثْمَانُ أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا ، وَتَأَخَّرَتْ وَفَاةُ عُثْمَانَ فَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ . وَمِنْ طُرَفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَبِي بَكْرٍ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ كَاتِبِ الْوَاقِدِيِّ وَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ أَبي عَمْرٍو النَّيْسَابُورِيِّ ، وَبَيْنَ وَفَاتِهِمَا مِائَةٌ وَثَمَانٍ أَوْ سَبْع سِنِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ذِكْرُ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَتْنَ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ) وَذَكَرَ إِسْنَادَيْهِ إِلَى الصَّحَابِيَّيْنِ ثُمَّ قَالَ : ( قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ) فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا شَكٍّ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيُحْتَمَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَالِ بَعْضِ رُوَاتِهِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ هُوَ غَرَضُنَا ؛ لَكِنَّهُ أَوَّلُ مَوْضِعٍ جَرَى ذِكْرُهُمْ فَأَشَرْنَا إِلَيْهِ رَمْزًا . وَأَمَّا مَتْنُهُ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ضَبَطْنَاهُ : يُرَى ؛ بِضَمِّ الْيَاءِ ، وَالْكَاذِبِينَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْجَمْعِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللَّفْظَتَيْنِ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الرِّوَايَةُ فِيهِ عِنْدنَا : الْكَاذِبِينَ ؛ عَلَى الْجَمْعِ . وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ سَمُرَةَ : الْكَاذِبَيْنِ ؛ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ عَلَى التَّثْنِيَةِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الراوي لَهُ يُشَارِكَ الْبَادِئَ بِهَذَا الْكَذِبِ . ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ : الْكَاذِبَيْنِ أَوِ الْكَاذِبِينَ ؛ عَلَى الشَّكِّ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ فَتْحِ الْيَاءِ فِي ( يُرَى ) وَهُوَ ظَاهِرٌ حَسَنٌ ، فَأَمَّا مَنْ ضَمَّ الْيَاءَ فَمَعْنَاهُ : يَظُنُّ . وَأَمَّا مَنْ فَتَحَهَا فَظَاهِرٌ ، وَمَعْنَاهُ : وَهُوَ يَعْلَمُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يَظُنُّ أَيْضًا ، فَقَدْ حُكِيَ ( رَأَى ) بِمَعْنَى : ظَنَّ .
وَقُيِّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ إِلَّا بِرِوَايَتِهِ مَا يَعْلَمُهُ أَوْ يَظُنُّهُ كَذِبًا ، أَمَّا مَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَظُنُّهُ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ ، وَإِنْ ظَنَّهُ غَيْرُهُ كَذِبًا أَوْ عَلِمَهُ ، وَأَمَّا فِقْهُ الْحَدِيثِ فَظَاهِرٌ ؛ فَفِيهِ تَغْلِيظُ الْكَذِبِ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ ، وَأَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَذِبُ مَا يَرْوِيهِ فَرَوَاهُ كَانَ كَاذِبًا ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَاذِبًا وَهُوَ مُخْبِرٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ ؟ ! وَسَنُوَضِّحُ حَقِيقَةَ الْكَذِبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ :