حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب النَّهْيِ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الضُّعَفَاءِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا

[ 6 ] ( 6 ) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ . [ 7 ] ( 7 ) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ . وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبَدَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنْ الْكَذِبِ ، فَيَتَفَرَّقُونَ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ : سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ .

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ سَعِيدٌ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا . فَعَادَ لَهُ ، ثُمَّ حَدَّثَهُ فَقَالَ لَهُ : عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا .

فَعَادَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : مَا أَدْرِي ! أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ هَذَا أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فَهَيْهَاتَ . وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي الْعَقَدِيَّ - حَدَّثَنَا رَبَاحٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَالِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي ؟ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَسْمَعُ ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ . حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا وَيُخْفِي عَنِّي ، فَقَالَ : وَلَدٌ نَاصِحٌ أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِي عَنْهُ . قَالَ : فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ فَيَقُولُ : وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ .

حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَمَحَاهُ إِلَّا قَدْرَ ، وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ . حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ : قَاتَلَهُمْ اللَّهُ ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا ! حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ - قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . ( 4 ) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا فِيهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ ( أَبُو هَانِئٍ ) هُوَ بِهَمْزِ آخِرِهِ .

وَفِيهِ ( حَرْمَلَةُ بْنُ التُّجِيبِيُّ ) هُوَ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ مَضْمُومَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ ، قَالَ : وَبِالضَّمِّ يَقُولُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ . قَالَ : وَبَعْضُهُمْ لَا يُجِيزُ فِيهِ إِلَّا الْفَتْحَ وَيَزْعُمُ أَنَّ التَّاءَ أَصْلِيَّةٌ .

وَفِي بَابِ التَّاءِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ ؛ يَعْنِي فَتَكُونُ أَصْلِيَّةً ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : تُجِيبُ وَتَجُوبُ قَبِيلَةٌ ؛ يَعْنِي قَبِيلَةً مِنْ كِنْدَةَ . قَالَ : وَبِالْفَتْحِ قَيَّدْتُهُ عَلَى جَمَاعَةِ شُيُوخِي وَعَلَى ابْنِ سِرَاجٍ وَغَيْرِهِ . وَكَانَ ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطْلَيُوسِيُّ يَذْهَبُ إِلَى صِحَّةِ الْوَجْهَيْنِ ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ .

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ أَنَّ تَجُوبَ قَبِيلَةٌ مِنْ كِنْدَةَ ، وَتُجِيبَ بِالضَّمِّ بَطْنٌ لَهُمْ شَرَفٌ ، قَالَ : وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِمَا أَصْلًا ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . وَأَمَّا حُكْمُ صَاحِبِ الْعَيْنِ بِأَنَّ التَّاءَ أَصْلٌ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَ ( حَرْمَلَةُ ) هَذَا كُنْيَتُهُ أَبُو حَفْصٍ ، وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ .

وَهُوَ صَاحِبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي عَنِ الشَّافِعِيِّ كِتَابَهُ الْمَعْرُوفَ فِي الْفِقْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( أَبُو شُرَيْحٍ ) الرَّاوِي عَنْ شَرَاحِيلَ فَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ الْمِصْرِيُّ ، وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ ، وَ ( شَرَاحِيلُ ) بِفَتْحِ الشِّينِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ . وَأَمَّا قَوْلُ مُسْلِمٍ : ( وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) فَهَذَا إِسْنَادٌ اجْتَمَعَ فِيهِ طُرْفَتَانِ مِنْ لَطَائِفِ الْإِسْنَادِ ؛ إِحْدَاهُمَا أَنَّ إِسْنَادَهُ كُوفِيٌّ كُلَّهُ ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَهُمُ الْأَعْمَشُ وَالْمُسَيَّبُ وَعَامِرٌ ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ قَلَّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي إِسْنَادِ هَاتَانِ اللَّطِيفَتَانِ .

فَأَمَّا ( عَبْدُ اللَّهِ ) الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدَةَ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ الصَّحَابِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ . وَأَمَّا ( أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ) شَيْخُ مُسْلِمٍ فَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حُصَيْنٍ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ .

وَأَمَّا ( الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ ) فَبِفَتْحِ الْيَاءِ بِلَا خِلَافٍ ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي فَتْحِ يَائِهِ ، بِخِلَافِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي فَتْحِ يَائِهِ وَكَسْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا ( عَامِرُ ابْنُ عَبْدَةَ ) فَآخِرُهُ هَاءٌ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِهَا وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا وَأَصَحُّهُمَا الْفَتْحُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : رُوِّينَا فَتْحَهَا عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَأَبِي مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلِيِّ .

قَالَ : وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي ج١ / ص٧١كِتَابِهِ ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ : وَرُوِّينَا الْإِسْكَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ ، وَبِالْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ مَاكُولَا ، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ . قَالَ الْقَاضِي : وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ : عَبْدٌ ؛ بِغَيْرِ هَاءٍ ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْحُفَّاظِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَعَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ) .

فَأَمَّا ( ابْنُ طَاوُسٍ ) فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الزَّاهِدُ الصَّالِحُ ابْنُ الزَّاهِدِ الصَّالِحِ ، وَأَمَّا الْعَاصِي فَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِهَا بِحَذْفِ الْيَاءِ ، وَهِيَ لُغَةٌ ، وَالْفَصِيحُ الصَّحِيحُ الْعَاصِي ؛ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ . وَكَذَلِكَ شَدَّادُ بْنُ الْهَادِي وَابْنُ الْمَوَالِي ؛ فَالْفَصِيحُ الصَّحِيحُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ . وَلَا اغْتِرَارَ بِوُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ أَكْثَرِهَا بِحَذْفِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَمِنْ طُرَفِ أَحْوَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي الْوِلَادَةِ إِلَّا إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةٍ ، وَقِيلَ : اثْنَتَا عَشْرَةَ . وَأَمَّا ( سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ ) فَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ . وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ ، أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ .

وَأَمَّا ( هِشَامُ بْنُ حُجَيْن ) فَبِضَمِّ الْحَاءِ وَبَعْدَهَا جِيمٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَهِشَامٌ هَذَا مَكِّيٌّ . وَأَمَّا ( بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ ) فَبِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ . وَأَمَّا ( أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ) فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْقَافِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَقَدِ ؛ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ بَجِيلَةَ ، وَقِيلَ : مِنْ قَيْسٍ ، وَهُمْ مِنَ الْأَزْدِ .

وَذَكَرَ أَبُو الشَّيْخِ الْإِمَامُ الْحَافِظُ عَنْ هَارُونَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : سُمُّوا الْعَقَدَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ لِئَامًا فَسُمُّوا عَقَدًا . وَاسْمُ أَبِي عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْبَصْرِيُّ ، قِيلَ : مَوْلى لِلْعَقَدِيِّينَ . وَأَمَّا ( رَبَاحٌ ) الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ الْعَقَدِيُّ فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ ، وَهُوَ رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ .

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَرَبَاحٌ بِالْمُوَحَّدَةِ إِلَّا زِيَادَ بْنَ رَبَاحٍ أَبَا قَيْسٍ الرَّاوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ؛ فَبِالْمُثَنَّاةِ ، وَقَالَهُ الْبُخَارِيُّ بِالْوَجْهَيْنِ . وَأَمَّا ( نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ) الرَّاوِي عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَهُوَ الْقُرَشِيُّ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ . وَأَمَّا ( ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ) فَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَاسْمُ أَبِي مُلَيْكَةَ زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ التَّيْمِيُّ الْمَكِّيُّ أَبُو بَكْرٍ ، تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْأَذَانَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .

وَأَمَّا قَوْلُ مُسْلِمٍ : ( حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) فَهُوَ إِسْنَادٌ كُوفِيٌّ كُلُّهُ إِلَّا الْحُلْوَانِيُّ . فَأَمَّا ( الْأَعْمَشُ ) سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أَبُو ج١ / ص٧٢مُحَمَّدٌ التَّابِعِيُّ وَ ( أَبُو إِسْحَاقَ ) عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ التَّابِعِيُّ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا . وَأَمَّا ( ابْنُ إِدْرِيسَ ) الرَّاوِي عَنِ الْأَعْمَشِ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِمَامَتِهِ وَجَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَفَضِيلَتِهِ وَوَرَعِهِ وَعِبَادَتِهِ ، رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبِنْتِهِ حِينَ بَكَتْ عِنْدَ حُضُورِ مَوْتِهِ : لَا تَبْكِي ، فَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ .

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : كَانَ ابْنُ إِدْرِيسَ نَسِيج وَحْدهُ . وَأَمَّا ( عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ) فَبِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، وَكُنْيَةُ عَلِيٍّ أَبُو الْحَسَنِ مَرْوَزِيٌّ ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَافِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَأَمَّا ( أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ) فَهُوَ الْإِمَامُ الْمُجْمَعُ عَلَى فَضْلِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ ؛ فَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ : الصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ لَا اسْمَ لَهُ غَيْرُهَا .

وَقِيلَ : اسْمُهُ مُحَمَّدٌ . وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ . وَقِيلَ : سَالِمٌ .

وَقِيلَ : شُعْبَةُ . وَقِيلَ : رُؤْبَةُ . وَقِيلَ : مُسْلِمٌ .

وَقِيلَ : خِدَاشٌ . وَقِيلَ : مُطَرِّفٌ . وَقِيلَ : حَمَّادٌ .

وَقِيلَ : حَبِيبٌ . وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قَالَ لِي أَبِي : إِنَّ أَبَاكَ لَمْ يَأْتِ فَاحِشَةً قَطُّ ، وَإِنَّهُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً . وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ أَنْ تَعْصِيَ اللَّه فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ ، فَإِنِّي خَتَمْتُ فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ خَتْمَةٍ .

وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبِنْتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ - وَقَدْ بَكَتْ : يَا بُنَيَّةُ ، لَا تَبْكِي ، أَتَخَافِينَ أَنْ يُعَذِّبنِي اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ خَتَمْتُ فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ خَتْمَةٍ ! هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَسْمَاءِ هَذَا الْبَابِ وَلَا يَنْبَغِي لِمُطَالِعِهِ أَنْ يُنْكِرَ هَذِهِ الْأَحْرُفَ فِي أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُسْتَنْزَلُ الرَّحْمَةُ بِذِكْرِهِمْ مُسْتَطِيلًا لَهَا ، فَذَلِكَ مِنْ عَلَامَةِ عَدَمِ فَلَاحِهِ إِنْ دَامَ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ يُوَفِّقُنَا لِطَاعَتِهِ بِفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ أَمَّا لُغَاتُ الْبَابِ : فَالدَّجَّالُونَ جَمْعُ دَجَّالٍ ، قَالَ ثَعْلَبٌ : كُلُّ كَذَّابٍ فَهُوَ دَجَّالٌ . وَقِيلَ : الدَّجَّالُ الْمُمَوِّهُ ، يُقَالُ : دَجَلَ فُلَانٌ ؛ إِذَا مَوَّهَ ، وَدَجَّلَ الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ إِذَا غَطَّاهُ . وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ هَذَا الثَّانِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَيْضًا .

قَوْلُهُ : ( يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا ) مَعْنَاهُ : تَقْرَأُ شَيْئًا لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَتَقُولَ إِنَّهُ قُرْآنٌ لِتُغْرِيَ بِهِ عَوَامَّ النَّاسِ فَلَا يَغْتَرُّونَ . وَقَوْلُهُ : ( يُوشِكُ ) ؛ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ ، مَعْنَاهُ : يَقْرَبُ . وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا مَاضِيًا فَيُقَالُ : أَوْشَكَ كَذَا ؛ أَيْ قَرُبَ .

وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، فَقَالَ : لَمْ يُسْتَعْمَلْ مَاضِيًا ، فَإِنَّ هَذَا نَفْيٌ يُعَارِضُهُ إِثْبَاتُ غَيْرِهِ وَالسَّمَاعُ ، وَهُمَا مُقَدَّمَانِ عَلَى نَفْيِهِ . ج١ / ص٧٣وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فَهَيْهَاتَ ) فَهُوَ مِثَالٌ حَسَنٌ . وَأَصْلُ الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ فِي الْإِبِلِ ؛ فَالصَّعْبُ الْعَسِرُ الْمَرْغُوبُ عَنْهُ ، وَالذَّلُولُ السَّهْلُ الطَّيِّبُ الْمَحْبُوبُ الْمَرْغُوبُ فِيهِ .

فَالْمَعْنَى : سَلَكَ النَّاسُ كُلَّ مَسْلَكٍ مِمَّا يُحْمَدُ وَيُذَمُّ . وَقَوْلُهُ : ( فَهَيْهَاتَ ) ؛ أَيْ : بَعُدَتِ اسْتِقَامَتُكُمْ ، أَوْ بَعُدَ أَنْ نَثِقَ بِحَدِيثِكُمْ . وَهَيْهَاتَ مَوْضُوعَةٌ لِاسْتِبْعَادِ الشَّيْءِ وَالْيَأْسِ مِنْهُ ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ : هَيْهَاتَ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ ، وَهُوَ بَعُدَ فِي الْخَبَرِ لَا فِي الْأَمْرِ .

قَالَ : وَمَعْنَى هَيْهَاتَ : بَعُدَ ، وَلَيْسَ لَهُ اشْتِقَاقٌ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْوَاتِ . قَالَ : وَفِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى لَيْسَتْ فِي بَعُدَ ; وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُخْبِرُ عِنْدَ اعْتِقَادِهِ اسْتِبْعَادَ ذَلِكَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ بُعْدِهِ ، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلُهُ بَعُدَ جِدًّا ، وَمَا أَبْعَدَهُ ، لَا عَلَى أَنْ يَعْلَمَ الْمُخَاطَبُ مَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي الْبُعْدِ ، فَفِي هَيْهَاتَ زِيَادَةٌ عَلَى بَعُدَ وَإِنْ كُنَّا نُفَسِّرهُ بِهِ . وَيُقَالُ : هَيْهَاتَ مَا قُلْتَ ، وَهَيْهَاتَ لِمَا قُلْتَ ، وَهَيْهَاتَ لَكَ ، وَهَيْهَاتَ أَنْتَ .

قَالَ الْوَاحِدِيُّ : وَفِي مَعْنَى هَيْهَاتَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بَعُدَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حُذَّاقِ النَّحْوِيِّينَ ، وَالثَّانِي بِمَنْزِلَةِ بَعِيدٍ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَالثَّالِثُ بِمَنْزِلَةِ الْبُعْدِ وَهُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ . فَالْأَوَّلُ نَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ ، وَالثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ ، وَالثَّالِثُ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ . وَفِي هَيْهَاتَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لُغَةً ذَكَرَهُنَّ الْوَاحِدِيُّ : هَيْهَاتَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا مَعَ التَّنْوِينِ فِيهِنَّ ، وَبِحَذْفِهِ ؛ فَهَذِهِ سِتُّ لُغَاتٍ .

وَإيْهَاتَ بِالْأَلِفِ بَدَلَ الْهَاءِ الْأُولَى ، وَفِيهَا اللُّغَاتُ السِّتُّ أَيْضًا . وَالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إيْهَا ؛ بِحَذْفِ التَّاءِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ . وَزَادَ غَيْرُ الْوَاحِدِيِّ : أيئات ؛ بِهَمْزَتَيْنِ بَدَلَ الْهَاءَيْنِ .

وَالْفَصِيحُ الْمُسْتَعْمَلُ مِنْ هَذِهِ اللُّغَاتِ اسْتِعْمَالًا فَاشِيًا : هَيْهَاتَ ؛ بِفَتْحِ التَّاءِ بِلَا تَنْوِينٍ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَاتَّفَقَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ تَاءَ هَيْهَاتَ لَيْسَتْ أَصْلِيَّةً ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْفِ عَلَيْهَا ؛ فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ : يُوقَفُ بِالْهَاءِ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : بِالتَّاءِ .

وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي هَيْهَاتَ وَتَحْقِيقُ مَا قِيلَ فِيهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ ، وَأَشَرْتُ هُنَا إِلَى مَقَاصِدِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ ) فَبِفَتْحِ الذَّالِ ؛ أَيْ : لَا يَسْتَمِعُ وَلَا يُصْغِي ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْأُذُنُ . وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا كُنَّا مَرَّةً ) ؛ أَيْ وَقْتًا ، وَيَعْنِي بِهِ قَبْلَ ظُهُورِ الْكَذِبِ .

وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : ( كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا وَيُخْفِي عَنِّي ، فَقَالَ : وَلَدٌ نَاصِحٌ ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا وَأُخْفِي عَنْهُ . قَالَ : فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ج١ / ص٧٤فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ ، وَيَمُرُّ بِالشَّيْءِ فَيَقُولُ : وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ ) فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَبْطِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : ضَبَطْنَا هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ وَهُمَا : وَيُخْفِي عَنِّي وَأُخْفِي عَنْهُ ؛ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِمَا عَنْ جَمِيعِ شُيُوخنَا إِلَّا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْخُشَنِيِّ ، فَإِنِّي قَرَأْتُهُمَا عَلَيْهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ . قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَحْرٍ يَحْكِي لَنَا عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ الْكِنَانِيِّ أَنَّ صَوَابَهُ بِالْمُعْجَمَةِ .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ هِيَ الصَّوَابُ ، وَأَنَّ مَعْنَى أُحْفِي أَنْقُصُ ؛ مِنْ إِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَهُوَ جَزُّهَا ، أَيْ : أَمْسِكْ عَنِّي مِنْ حَدِيثِكَ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ ، أَوْ يَكُونُ الْإِحْفَاءُ الْإِلْحَاحَ أَوْ الِاسْتِقْصَاءَ ، وَيَكُونُ عَنِّي بِمَعْنَى عَلَيَّ ؛ أَيِ : اسْتَقْص مَا تُحَدِّثُنِي . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَذَكَرَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ قَوْلَ الْقَاضِي ، ثُمَّ قَالَ : وَفِي هَذَا نَظَرٌ . قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْبِرِّ بِهِ وَالنَّصِيحَةِ لَهُ ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : كَانَ بِي حَفِيًّا ؛ أَيْ : أُبَالِغُ لَهُ ، وَأَسْتَقْصِي فِي النَّصِيحَةِ لَهُ وَالِاخْتِبارِ فِيمَا أُلْقِي إِلَيْهِ مِنْ صَحِيحِ الْآثَارِ .

وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ : هُمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيْ : يَكْتُمُ عَنِّي أَشْيَاءَ وَلَا يَكْتُبُهَا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا مَقَالٌ مِنَ الشِّيَعِ الْمُخْتَلِفَةِ وَأَهْلِ الْفِتَنِ ، فَإِنَّهُ إِذَا كَتَبَهَا ظَهَرَتْ ، وَإِذَا ظَهَرَتْ خُولِفَ فِيهَا وَحَصَلَ فِيهَا قَالٌ وَقِيلٌ ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَلْزَمُ بَيَانُهَا لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَإِنْ لَزِمَ فَهُوَ مُمْكِنٌ بِالْمُشَافَهَةِ دُونَ الْمُكَاتَبَةِ . قَالَ : وَقَوْلُهُ : ( وَلَدٌ نَاصِحٌ ) مُشْعِرٌ بِمَا ذَكَرْتُهُ . وَقَوْلُهُ : ( أَنَا أَخْتَارُ لَهُ وَأُخْفِي عَنْهُ ) إِخْبَارٌ مِنْهُ بِإِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ .

ثُمَّ حَكَى الشَّيْخُ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَرَجَّحَهَا ، قَالَ : هَذَا تَكَلُّفٌ لَيْسَتْ بِهِ رِوَايَةٌ مُتَّصِلَةٌ نُضْطَرُّ إِلَى قَبُولِهِ . هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو ، وَهَذَا الَّذِي أَخْتَارُهُ مِنَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الْمَوْجُودَةِ بِهَذِهِ الْبِلَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَاللَّهِ مَا قَضَى عَلِيٌّ بِهَذَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ ) فَمَعْنَاهُ مَا ج١ / ص٧٥يَقْضِي بِهَذَا إِلَّا ضَالٌّ ، وَلَا يَقْضِي بِهِ عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ ضَلَّ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَضِلَّ فَيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَمَحَاهُ إِلَّا قَدْرَ ، وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ ) قَدْرَ مَنْصُوبٌ غَيْرُ مُنَوَّنٍ ، مَعْنَاهُ : مَحَاهُ إِلَّا قَدْرَ ذِرَاعٍ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَانَ دَرْجًا مُسْتَطِيلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا ! ) فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَدْخَلَتْهُ الرَّوَافِضُ وَالشِّيعَةُ فِي عِلْمِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَحَدِيثِهِ وَتَقَوَّلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَبَاطِيلَ وَأَضَافُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَقَاوِيلَ الْمُفْتَعَلَةِ وَالْمُخْتَلِفَةِ ، وَخَلَطُوهُ بِالْحَقِّ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ مَا هُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ مِمَّا اخْتَلَقُوهُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ) فَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ . وَقِيلَ : بَاعَدَهُمْ . وَقِيلَ : قَتَلَهُمْ .

قَالَ : وَهَؤُلَاءِ اسْتَوْجَبُوا عِنْدَهُ ذَلِكَ لِشَنَاعَةِ مَا أَتَوْهُ كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ، وَإِلَّا فَلَعْنَةُ الْمُسْلِمِ غَيْرُ جَائِزَةٍ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُغِيرَةِ : ( لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ) فَهَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ ) فَيَجُوزُ فِي ( مِنْ ) وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ ، وَالثَّانِي أَنَّهَا زَائِدَةٌ . وَقَوْلُهُ : ( يَصْدُقُ ) ضُبِطَ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِ ، وَالثَّانِي بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ .

وَ ( الْمُغِيرَةُ ) هَذَا هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ أَبُو هِشَامٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا أَحْكَامُ الْبَابِ فَحَاصِلُهَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَجْهُولِ ، وَأَنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِي أَخْذِ الْحَدِيثِ فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْوَى عَنِ الضُّعَفَاءِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ11 حديثًا
موقع حَـدِيث